جرائم تهريب الآثار تصنف ضمن الجرائم الجسيمة وعقوبتها الحبس لمدة لاتقل عن ثلاث سنوات ، إن من يطلق مسدسه على الماضي فكأنه يطلق مدفعاً على المستقبل.. سرقة الآثار ونبش المواقع الاثرية والتنقيب والحفر غير المرخص واعمال التهريب وغيرها من الجرائم المتعلقة بالآثار والمتاجرة بها وما يقابلها من تشريعات وقوانين لحماية هذه الثروة والحفاظ عليها لكن السؤال المطروح اليوم هل هذه التشريعات تتناسب مع جسامة تلك الاعمال الاجرامية المضرة بتراث الامة وإرثها المكون لهويتها الوطنية والتاريخية والحضارية.
تكمن قيمة الآثار وأهميتها كتراث إنساني وكحلقة من حلقات التطور الثقافي والحضاري لهذا الإنسان، وما يؤكد هذه الأهمية أن ضياع أي أثر أو فقده يشكل خسارة كبرى لا تعوض لا للدولة صاحبة الأثر فحسب بل للإنسانية جمعاء، لأن تراث أي دولة إنما هو حلقة في سلسلة متصلة من الحلقات من قصة الإنسان منذ ظهر على سطح الأرض حتى الآن.. ويشار إلى أن معيار المرء لأهمية الشيء بالنسبة له عادة هو مدى قيمته المادية أو المعنوية ومدى إسهامه في تحقيق أمنه وسلامته وتقدمه ورغد عيشه أو أن له أدنى مساس بحياته اليومية، فالآثار باعتبارها منجزاً إنسانياً ومصدراً أساسياً لكتابة التاريخ يتطلب منا الاهتمام بها ودراستها كونها لم تأت من فراغ بل نتاج تراكم حضاري تناقلته الأمم جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن..
- ويقول الدكتور امين الحذيفي الباحث في مجال القانون الجنائي يسبق الحديث عن الأهمية العظمى للآثار مفهوم حمايتها حيث تمثل الآثار الجانب المادي للحضارة ومصدراً مادياً هاماً للدخل القومي من خلال السياحة فأولتها الدولة في العصر الحديث عنايتها وسنت الأنظمة والقوانين لحمايتها ولم تكن العناية بأهمية الآثار المادية مقصورة على المستوى الوطني فحسب بل امتدت إلى المستوى الدولي باعتبار أن ثقافة الأمم هي أثمن ممتلكات الإنسان. والإسلام أيضاً اهتم بالآثار فالقرآن الكريم أورد قصصاً من قبلنا من الأخيار والأشرار وآثارهم وأمرنا بدراستها وأخذ العظة والعبرة.. كما كان العرب والمسلمون في طليعة الشعوب التي تهتم بالتراث الحضاري وتحافظ عليه وصولاً إلى خدمة قضايا الأمة الثقافية والاقتصادية والقومية وخير دليل على ذلك ما نظمه القاضي أبو يعلي المعري في العصور الوسطى، حيث تعبر هذه الأبيات عن موقف الرأي العام في البلاد العربية الإسلامية من المخلفات الحضارية ومفهوم الحماية لها لدى الفئة الواعية حيث قال :
مررت برسم في شيات فراعني
به زجل الأحجار تحت المعاول
أتتلفها شلت يميينك خلها
لمعتبر أو زائر أو متسائل
منازل قوم حدثتنا حديثهم
ولم أر أصل من حديث المنازل
ويدل هذا على أن من يدمر ماضيه فإنه يدمر مستقبله وبالتالي يصبح بلا ماضٍ وبلا حاضرٍ وبلا مستقبل.ونتيجة للأهمية القصوى للآثار كان طبيعياً أن تمتد الحماية القانونية إليها بصدور القوانين التي تنص على تنظيم موضوع هذه الآثار وحمايتها جنائياً ليس فقط على المستوى الوطني، وإنما على المستوى الدولي باعتبارها تراثاً إنسانياً جديراً بالحماية الجنائية الوطنية والإقليمية والدولية.. وعن هذه القوانين الخاصة بجرائم الاعتداء على سلامة الآثار والاستيلاء عليها وما شابها من قصور قال: هناك العديد من القوانين اليمنية الخاصة بحماية الآثار سوف نشير اليها مع ذكر ما جاء في القوانين المقارنة، وهي كالتالي :
التجاوز على المواقع الأثرية
إن بعض التشريعات الآثارية لم تورد هذه الجريمة في نطاق قانون الآثار وبالتالي فإن المتجاوز على المواقع الآثارية سوف يساءل بموجب نصوص قانون العقوبات العام القسم الخاص- باعتبار ان هذه المواقع الآثارية تعتبر من أملاك الدولة العامة والصواب ما ذهب إليه المشرع اليمني ومعه أغلبية التشريعات الجنائية بتنظيم أفعال التجاوز على المواقع الآثارية ضمن القانون العقابي الخاص بحماية الآثار لما تمثله هذه الأفعال من إفقار أو خطر إفقار الموروث الثقافي والتاريخي والفني، ولذلك فإنه لابد لتوافر هذه الجريمة أن يكون العقار الذي وقع عليه التجاوز قد صنف على أنه عقار أثري حتى يستاهل الحماية الجنائية المقررة ضمن قانون حماية الآثار وهذا التنسيق يكون بقرار من الهيئة الآثارية المختصة ويعلن هذا القرار في الجريدة الرسمية.
قلع الأثر
عالج المشرع اليمني عقوبة جريمة قلع الأثر أو فصل جزء منه في المادة 39/1 من قانون الآثار رقم 8 لسنة 1997م التي تنص على أن "يعاقب كل من هدم أو اتلف أو زور عمداً أثراً منقولا أو ثابتاً أو شوه أو غير أو طمس معالم أو فصل جزءاً منه أو تعمد إخفاءه أو اشترك في ذلك بعقوبة الحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بغرامة مالية تساوي قيمة الأثر أو بالعقوبتين معاً. ويقترح لكي تكون العقوبة رادعة أن تقيد سلطة القاضي بالحد الأدنى وليس بالحد الأعلى فيكون النص المقترح للمادة 39/1 على النحو التالي :
"يعاقب كل من هدم أو اتلف أو زور عمداً أثراً منقولا أو ثابتاً أو شوه أو غير أو طمس معالمه أو فصل جزءاً منه أو تعمد إخفاءه أو اشترك في ذلك بعقوبة الحبس لا تقل عن سنة أو بغرامة تساوي قيمة الأثر أو بالعقوبتين معاً". ونهجت القوانين المقارنة نهج التشديد في العقوبة بما يتناسب مع جسامة وخطورة فصل أو قلع جزء من الأثر أو المبنى التاريخي فالمشرع المصري حدد العقوبة بالسجن بما لا يقل عن خمس سنوات ولا تزيد على سبع سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه كل من فصل جزءاً من اثر أو مبنى تاريخي أو اشترك في ذلك وكذلك المشرع السوداني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن خمس سنوات، فنجد أن المشرع المصري جعل الحبس والغرامة وجوبيتين وقيد القاضي بالحد الأدنى في كليهما.
التنقيب من دون ترخيص
حيث تتفق التشريعات الآثارية على حظر أعمال التنقيب عن الآثار من قبل الأشخاص الطبيعية أو المعنوية بدون حصولها على ترخيص من قبل السلطة الآثارية قبل مباشرة أعمال التنقيب عن الآثار حتى ولو كان القائم بأعمال الحفر مالكاً للأرض التي ينقب فيها، باعتبار أن الهيئة وحدها صاحبة الحق في ذلك أو تصدر ترخيصها خاصاً وفقاً لأحكام القانون. وفرق المشرع اليمني في العقوبة بين جريمة التنقيب بدون ترخيص وبين التجاوز المتعمد لشروط الترخيص فقرر عقوبة التنقيب بدون ترخيص الحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن "30.000ريال" أو بهما معاً، أما عقوبة التجاوز المتعمد لشروط الترخيص فهي الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو غرامة لا تجاوز "150.000 ريال" أو بهما معاً. ونجد أن العقوبة المفروضة هنا لا تتناسب إطلاقاً مع جسامة الفعل وخطورته خصوصاً إذا ما علمنا بأن اليمن من أكثر الدول في العالم تعرضا للنبش غير المشروع في المواقع الآثارية وهو ما يستوجب أن يكون المشرع اليمني مشدداً في العقوبات أكثر من غيره ليصل إلى مرتبة الرد والزجر المناسبين مع الجرم وخطورته.المشرع اليمني حيث جعل العقوبتين تخييريتين كما انه أطلق الحد الأدنى للحبس وكذا الغرامة فلم يعد للعقوبة أي مظهر من مظاهر الردع والزجر الذي يتناسب مع جسامة هذه الجريمة. نظم المشرع اليمني عقوبة جريمة محو الآثار مع عقوبة جريمة قلع الآثار وهو ما سبق بيانه.
سرقة الآثار
وقال أن نص المشرع اليمني في المادة "39/2" من قانون حماية الآثار "يعاقب كل من سرق أثراً أو جزءاً من اثر مملوك للدولة أو اشترك في ذلك بالعقوبات المنصوص عليها في أحكام الشريعة الإسلامية، مع مصادرة جميع الأشياء المستخدمة في تنفيذ الجريمة لصالح صندوق دعم الآثار" ويكاد المشرع اليمني ينفرد بهذا النص عن غيره من التشريعات الآثارية الأخرى والتي لم تخرج عن اتجاهين:
الأول: عدم إدراج هذه الجريمة في نطاق قانون الآثار وبالتالي فإن أحكام القانون العام هي التي تطبق في حالة سرقة الآثار دون حاجة إلى النص عليها في قانون الآثار لأنه سيكون تكراراً وليس له معنى أو إضافة عناصر جديدة تستدعي التشديد في العقوبة.
الثاني: إدراج جريمة سرقة الآثار ضمن نطاق قانون الآثار، وهذا الاتجاه هو الراجح لأن معالجة جريمة سرقة الآثار ضمن نطاق قانون الآثار يعد الاتجاه الأفضل أسوة ببقية الجرائم الآثارية الأخرى، وتمييزاً لها عمن يرتكب جريمة سرقة لمادة أخرى ليست أثرية بهدف التشديد في مقدار العقوبة المفروضة على مرتكب جريمة سرقة الآثار فموضوع الجريمة هنا يمثل ظرفاً مشدداً.
ويوجب نص المادة "39/2" من قانون الآثار اليمني الرجوع إلى القانون العام لتطبيق العقوبات المفروضة على سرقة الأثر وهي عقوبة وردت في المادة "300" من قانون العقوبات وهي الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات إذا لم يصاحبها إكراه أو تهديد، وهي عقوبة لا تتناسب مطلقاً مع جسامة الفعل وخطورته في مجال الآثار، وهو المجال الذي يتطلب التشديد في العقوبة، فلا توجد مظاهر للتشديد فالسجن بما لا يزيد على ثلاث سنوات وهي عقوبة في الجرائم غير الجسيمة وأطلق فيها الحد الأدنى والذي قد يصل إلى "24" ساعة فقط كما أن عقوبة الغرامة لم ينص عليها.
- ويرى الدكتور الحذيفي :
- ان على المشرع اليمني أفراد أحكام خاصة بسرقة الآثار ضمن أحكام قانون الآثار. ويقترح تعديل نص المادة "39/2" من قانون الآثار رقم "8" لسنة 1997م على النحو التالي "يعاقب كل من سرق أثراً أو جزءاً من أثر أو اشترك في ذلك بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وبغرامة مالية تساوي قيمة الأثر، مع مصادرة جميع الأدوات المستخدمة في تنفيذ الجريمة لصالح صندوق دعم الآثار.
واضاف الحذيفي بأن التشديد في النص المقترح في جعل الجريمة من الجرائم الجسيمة رفع الحد الأدنى للسجن إلى ما لا يقل عن ثلاث سنوات، وجعلها وجوبية، إضافة إلى الغرامة التي تكون ليست محدودة وإنما غرامة مثلية تعادل قيمة الأثر المسروق، لتمثل رادعاً أكيداً في الحد من جريمة سرقة الآثار، ذلك لأنها ترتكب في غالب الأحيان بدافع مادي من أجل جني مبالغ كبيرة من الأموال أضف إلى ذلك أن ما يضاعف من خطورة هذه الجريمة أنها تؤدي إلى بيع هذه الآثار بصورةغيرمشروعة،وكذا تهريبها إلى الخارج،مما يؤيد التوجه إلى التشديد في العقوبة بما يتلاءم مع جسامتها والخسارة التي ستلحق بالجاني إذا ما حاول القيام بسرقة اثر منقول، وعلم بأن العقوبة ستفوق قيمة الربح غير المشروع الذي كان يتوقع الحصول عليه من جراء سرقته للأثر.
جريمة تهريب الآثار
وأكد الحذيفي أن خطورة جريمة تهريب الآثار تزداد وينتج عنها أضراراً شتى ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية.. الخ. وتتعاظم الخطورة في كون صفة الجريمة المنظمة عبر الوطن تكون أكثر بروزا أو أوسع نطاقاً في جريمة تهريب الآثار عما سواها من الجرائم لكونها جريمة تمثل تجاوزاً في سلسلة الاعتداءات السابقة على التهريب في موطن الأثر المهرب من حفر وتنقيب غير مشروعين مروراً بالسرقة والحيازة للأثر والبيع غير المشروع حتى يتم التهريب إلى خارج موطن الأثر، فتطال آثارها الاعتداء على سيادة دول أخرى متمثلاً في تجاوز نظامها القانوني واستقلالها القضائي، وهو ما جعل الدول تجمع على اتخاذ تدابير وفرض عقوبات رادعة تتسم بالتوسع، تحد بها من هذه الجريمة. مما جعلها تعلو جميع جرائم الآثار من حيث جسامة العقوبة. وعلة التشديد أن التهريب للآثار يمثل تهريباً لأهم مكونات الهوية الوطنية والقومية، وتعد من أكثر الجرائم وقوعاً على الآثار وأشدها خطورة وضرراً على التراث الوطني لأية دولة ذات حضارة عريقة، نظراً لما تحدثه هذه الجريمة من افتقار لهذا التراث الوطني نتيجة لعمليات التهريب،وبسببها ترتكب جرائم أخرى ماسة بالأثر مثل جريمة التنقيب عنها من دون ترخيص أو جريمة سرقة الآثار أو جريمة الاتجار غير المشروع تمهيداً لتهريبها إلى خارج بلدانها الأصلية.وقال يحسب للمشرع اليمني تشديده في عقوبة جريمة تهريب الآثار إلى خارج اليمن حيث نصت المادة "37" من قانون الآثار على أن "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن خمسة سنوات أو بغرامة لا تقل عن قيمة الأثر المهرب حسب تقدير الهيئة على أن لا يقل المبلغ عن مائة ألف ريال أو بالعقوبتين معاً كل من هرب أو اشترك في تهريب اثر إلى خارج الجمهورية.. ويظهر التشديد في الأوجه التالية :
انه جعل هذه العقوبة هي أشد عقوبة تضمنها قانون الآثار برفعه الحد الأعلى الى خمس سنوات سجن. تصنيفه لجريمة تهريب الآثار من ضمن الجرائم الجسيمة وبالتالي يجب على القاضي عند تفريده لعقوبة الحبس ألا تقل عن ثلاث سنوات إلاّ إذا وجدت ظروف مخففة تنزل بها من صفة الجرائم الجسيمة إلى صفة الجرائم غير الجسيمة.تحديد الغرامة بأن لا تقل عن قيمة الأثر المهرب حسب تقدير الهيئة، ومما يضاعف التشديد هنا أنه في حالة أن يكون الأثر المهرب قليل القيمة، أو مالت الهيئة في التخفيف عند تقديرها القيمة فقد قيدها المشرع بقيد إضافي وهو ألا يقل تقدير قيمة الأثر عن مائة ألف ريال. إلا أن هذه الأوجه من التشديد السابق بيانها يصاحبها وجه آخر من أوجه التخفيف وهو جعل عقوبتي الحبس والغرامة تخييريتين وهو ما يلزم التأكيد على جعلهما وجوبيتين ليصبح بذلك النص المقترح للمادة السابقة على النحو التالي :
"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن قيمة الأثر المهرب حسب تقدير الهيئة على أن لا يقل المبلغ عن مائة ألف ريال كل من هرب أو اشترك في تهريب أثر إلى خارج الجمهورية مع الحكم بمصادرة الأثر محل الجريمة وكذلك الأدوات المستخدمة في تنفيذ الجريمة لصالح صندوق دعم الآثار.
تزوير الآثار
جرم المشرع مجموعة من الأفعال التي تنصب على الآثار فتنال من الثقة التي يجب أن تتوافر لها من الناحية التاريخية والثقافية والحضارية والفنية، إضافة إلى الأفعال التي قد تهدد بالخطر الثقة فيها. وتكمن علة تجريم تزوير الآثارفي كون الآثارتقوم بدور تاريخي وثقافي في الحفاظ على هوية الأجيال باعتبارها تمثل ذاكرة التاريخ وتراثاً للإنسانية، وبالتالي فإن تزويرها يعد من مظاهر الاعتداء على تراث الإنسانية وتجريم هذا الاعتداء يمثل ضماناً للثقة بها واستقرارها بأهميتها العلمية، وكذلك القيمة المادية والمعنوية، وأنه لا احتمال في أن ينكشف فيما بعد تزييفها ونستلهم من تجريم تقليد الآثار حماية ثقة المجتمع، فللمجتمع الحق في ألاّ تختل ثقته فيها. ويعاقب قانون الآثار اليمني طبقاً لنص المادة "39/1" على جريمة التزوير للآثار بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بغرامة مالية تساوي قيمة الأثر أو بالعقوبتين معاً وهي عقوبة خفيفة وغير رادعة كونها لا تتناسب مع جسامة الضرر أو خطر الضرر المادي والمعنوي والاجتماعي الذي يصيب المجتمع بأكمله مهدداً بذلك مصالحه التاريخية والفنية والمعنوية والاقتصادية. ويفضل تطبيق العقوبة الواردة في قانون العقوبات العام ضد مزيفي العملة والتي تصل في حدها الأعلى إلى السجن عشر سنوات واعتبارها من الجرائم الجسيمة والحبس وجوبي وليس اختيارياً،كما أن عقوبة الغرامة المثلية تجد مكاناً بارزاً له ردع أكيد وخصوصاً في جرائم الآثار فنرى أن تكون تكميلية إلى جوار الحبس فالعائد الإجرامي من تزوير اثر منقول والتصرف فيه باعتباره أثراً صحيحاً يفوق بكثير مجرد تزوير بعض العملات النقدية، وهو ما يجعلها عقوبة من جنس العمل.
تعديل القانون
- من جانبه قال المحامي والقانوني باسم محمد حسن الجماعي :
- تعتبر الآثار سواء عقارات كانت أو منقولات أو مسكوكات أو مخطوطات من أهم الثروات الوطنية والقومية لكافة الشعوب كونها من أصدق الشواهد على حضارات الشعوب السابقة،وهي الأساس في تحديد هوية تلك الشعوب والتي تعتبر الشعوب والحضارات الموجودة على أرض المعمورة امتداداً لتلك الحضارات والشعوب، ومن هنا يتضح أهمية الحفاظ على الآثار وضرورة سن التشريعات الكفيلة بتحديد آلية التنقيب عن تلك الآثار وحمايتها من الضياع والاندثار، وبلادنا تمتاز بوجود الكثير من الآثار والمعالم التاريخية التي تشهد على عظمة وشموخ أبناء اليمن السعيد ومدى ما وصلت إليه الحضارات اليمنية القديمة من تطور وازدهار مما جعلها في مقدمة الحضارات التي عرفتها البشرية.ونظراً لأهمية الآثار وقيمتها المادية والمعنوية فقد دفع كل ذلك بعض أصحاب النفوس المريضة الذين يسعون وراء الكسب السريع وغير المشروع إلى العبث بتراث وثروة الشعب اليمني التي ورثها جيل بعد جيل باحثين وراء المصالح الشخصية الضيقة لا مبالين بالضرر الذي يلحقونه بوطنهم الأمر الذي جعل السلطة التشريعية تضع العديد من التشريعات والقوانين التي تحمي من خلالها تلك الثروة القومية وقد تمثلت تلك القوانين بالقانون رقم 21لسنة94م ورقم 8 لسنة 97م المسمى قانون الآثار وقانون الوثائق إلا أن المطلع على تلك القوانين يلاحظ أنها لم تكن كفيلة بتحقيق الغرض الذي وضعت من أجله، وذلك لقصور نصوص تلك القوانين وخصوصاً قانون الآثار الذي يلاحظ المطلع عليه أنه لم يضع حداً لضعاف النفوس الذين امتهنوا تجارة الآثار وجعلوها مصدراً لدخلهم حيث لم يرد فيه نص واضح بخصوص تحديد عقوبة الاتجار بالآثار بل اقتصر على فرض عقوبات على من يقوم بتهريب أي قطعة أثرية دون الإشارة إلى ضرورة متابعة المصدر الذي وصلت من خلاله تلك القطعة إلى يد من يقوم بتهريبها سواء كان فرد أو جهة "يمني أو أجنبي"وذلك القصور هو ما شجع تجار الآثار في أن يتمادوا في اعتداءاتهم السافرة على ثروة الجمهورية اليمنية القومية بالمقابل فرضت بعض التشريعات العربية عقوبات شديدة لكل من تسول له نفسه المتاجرة بتاريخ وثورة الأمة، ومن ذلك ما نصت عليه المادة "56/57"من قانون الآثار السوري الذي حدد عقوبة تهريب الآثار بما لا يزيد عن خمسة وعشرين عاماً ولا تقل عن خمسة عشر سنة وهي نفس العقوبة التي حددها المشرع اليمني لتجار المخدرات الأمر الذي يثبت من خلاله ضرورة تعديل قانون الآثار اليمني وتشديد العقوبات سواء على من يقوم بالمتاجرة بالآثار أو الاعتداء والإضرار بها أو التنقيب عنها بطرق غير مشروعة وذلك لأهمية الهدف الذي وضعت من أجله تلك التشريعات والمتمثل في الحفاظ على تاريخ الشعب اليمني وحضاراته لتكون دافعاً لكافة أبناء الشعب للنهوض بالوطن ومواصلة العطاء بما يضمن تقدم اليمن وازدهاره.
حماية حقيقية
- وبهذا الخصوص قال المحامي والقانوني فؤاد عبدالجبار الدبعي:
- إن الحضارات السابقة لا يمكن التعرف عليها وعلى عظمة منجزاتها إلا عن طريق الآثار الدالة على عظمة تلك الحضارة وشموخها باعتبار أن الآثار تنبئ عن أصالة الشعوب التي تنتمي إلى تلك الحضارة، وهذه الآثار لا يمكن أن تبقى وتتعاقب عليها الأجيال إذا لم يتم الحفاظ عليها وصيانتها وكف أيادي العابثين عنها وهذا لا يتأتى إلا في ظل وجود قوانين صارمة وأجهزة قوية تحول دون تبديد تلك الآثار أو تهريبها وقد سعت معظم الدول لإيجاد قوانين رادعة وأنشأت لذلك أجهزة وإدارات متخصصة في مجال الآثار والحفاظ عليها وقد استطاعت تلك الدول إلى حد كبير منع تهريب الآثار أو العبث بها وشددت العقوبات على كل من يقوم ببيع أو تهريب الآثار أو تزييفها إذ أنه لا يمكن تطبيق القوانين ما لم تكن هناك عقوبات صارمة لكل من يخالف نصوصها.وهذه هي الطبيعة البشرية التي جبل عليها الإنسان أضف إلى ذلك لا بد من وجود جهات متخصصة في حماية مجال الآثار سواء كانت أمنية أو فنية وهذا يتطلب إيجاد سياسة تستطيع الدول من خلاله الحفاظ على الآثار ومنع تهريبها أو الاتجار بها باعتبار أن ذلك الأثر مال عام واجب الحفاظ عليه ومن اجل ذلك فقد صدر القرار الجمهوري بالقانون رقم 21لسنة 94م بشأن الآثار وتعديلاته بالقانون رقم 8 لسنة 1997م ومكون من أربع وأربعين مادة موزعة على ثمانية أبواب من خلال استقراء مواده نجد أن هناك تعديلات كثيرة قد أجريت على القوانين السابقة في سبيل الوصول إلى إيجاد حماية حقيقية للآثار حيث أصبح الاتجار بالآثار المنقولة- محظوراً سواء كانت مسجلة أو غير مسجلة وكان في السابق اقتصار الحظر على الحصول على إذن رسمي من السلطة الأثرية، وغيرها من المواد التي تم تعديلها، إلا أن ذلك التعديل لم يكن ملبياً للغرض الذي من أجله اصدر ذلك القانون.فالملاحظ: في القانون رقم 21 لسنة 1994م خلوه من الإشارة إلى إيجاد جهاز أمني يكون من صميم اختصاصه الحفاظ على تلك الآثار ومنع تهريبها أو الاتجار بها وغيرها من الاختصاصات التي تؤدي في مجملها الحفاظ على آثارنا وعدم العبث بها.وقد لوحظ إصدار قانون بشأن انشاء شرطة للسياحة.. وهذا جانب مهم في طبيعة الحال إلا أن هذا الجهاز لا يناط به الحفاظ على الآثار وحمايتها وإنما اختصاصيته تنصب على المنشآت السياحية والمحافظة على السواح ومن المفترض أن يشار إلى شرطة سياحية في مجال حماية الآثار وهو ما نتوخها في التعديلات الجديدة.كما انه من خلال الاطلاع على القانون ومقارنته بالقوانين في بعض الدول واخص بالذكر جمهورية مصر العربية سنجد بأن قانون الآثار للجمهورية اليمنية- وخاصة- في باب العقوبات نجد أن المبالغ المفروضة كعقوبة لا تعتبر رادعة وحامية للآثار إذ أن أعلى مبلغ منصوص عليه في المادة "37" مبلغ لا يقل عن مائة ألف ريال ومن ثم يبدأ المبلغ بالتناقص كلما انتقلنا إلى المواد التي تليها.
رأي المحررين:
ونخلص من كل ما تقدم أنه لا بد من إيجاد سياسة تشريعية وأمنية وعقابية حتى نستطيع الحفاظ على آثارنا ومنع تهريبها أو العبث بها مع ضرورة إيجاد حوافز تشجيعية لكل من يساهم في الحفاظ على الآثار أو يدل الجهات المعنية على مكان الآثار والحفاظ عليه وهذا ما نأمله في التعديلات التي ستجرى على قانون الآثار.
نقل للفائدة