الركن المادي : (الأفعال المادية المعاقب عليها)
 إن الخروج عن الأحكام المنظمة لإباحة التصرف في المخدرات من قبل الأشخاص المرخص لهم بذلك،وفي غير نطاق الأحوال التي يتوفر فيها الاتصال المشروع بالمواد المخدرة، فقد اعتبر المشرع المغربي كل تصرف عن الفرد جريمة يستحق من أجلها العقاب.

 
 والمشرع المغربي كباقي التشريعات العربية في محاولة للإحاطة بكل التصرفات الممنوعة قانونا بالمواد المخدرة، وحتى لا يفلت أحد من العقاب نجده يستعمل في نصوصه صورا عديدة من التجريم .ولكن سواء ما ورد في التشريع المغربي أو التشريعات الأخرى فهي في مجموعها لا تبتعد عما ورد في المادة 76/1 من الاتفاقية الوحيدة للمخدرات الصادرة سنة  1961 و التي تنص على ما يلي:”تقوم الدول الأطراف مع مراعاة أحكامها الدستورية باتخاذ التدابير اللازمة الكفيلة باعتبار زراعة المخدرات و إنتاجها وصنعها و استخراجها وتحضيرها و إحرازها وتقديمها وعرضها للبيع و توزيعها و شرائها و بيعها و تسليمها بأي صفة من الصفات و السمسرة فيها و إرسالها و نقلها و استيراد و تصديرها، وأي فعل قد تراه الدول و الأطراف مخالف لأحكام هذه الاتفاقية جرائم معاقب عليها إذا ارتكبت قصدا، وكذلك باتخاذ التدابير الكفيلة بفرض العقوبات السالبة للحرية، و الأفعال التي تتكون من جرائم المخدرات في التشريع المغربي لم تأتي على سبيل الحصر، ولكن يمكن إرجاعها إلى خمسة صور:
 
 الحيازة و الإمساك- الاستيراد و التصدير – الإنتاج و الصنع – التسهيل للتعاطي و ما يتصل به من أفعال، الاتجار في المخدرات و لما كانت هذه الصور الأخيرة هي الأكثر تأثيرا على الاقتصاد الوطني فقد رأينا تسليط الضوء عليها .
  
 وهكذا تملي علينا طبيعة هذا المطلب أن نقسمه الى فقرتين نتحدث في الفقرة الأولى عن جريمة الاتجار في المخدرات  أما الفقرة الثانية نستعرض فيها الى التعامل بالمواد المخدرة . 
الفقرة الأولى : جريمة الاتجار في المواد المخدرة
 تفرق التشريعات بين التجار و الذي يدخل في نطاق المشروع بالمواد المخدرة و التعامل الذي يضم عمليتي البيع و الشراء و عمليات أخرى. والاتجار بالمخدرات معناه أن يقوم الشخص لحسابه الخاص بمزاولة عمليات تجارية متعددة قاصدا أن يتخذ منها حرفة معتادة له. فلا يكفي لثبوت الاتجار عملية واحدة و لا عدة عمليات متفرقة في أوقات مختلفة لا اتصال بينها، و إنما يلزم فضلا عن تعدد العمليات أن يجمعها غرض محدد هو أن يكون الجاني قد كرس نشاطه بصفة معتادة للقيام بهذا العمل و الارتزاق منه.

 وفي مجال التجارة غير المشروعة في المخدرات يضم ميدان التجريم نوعين من التجار تجار الجملة و تجار التجزئة ، فأفراد الفئة الأولى les grands patrons du trafic غالبا ما يكونوا من أفراد العصابات الذين يعمل تحت أمرهم عدد كبير من الأعوان الذين يقومون بنقل المخدرات و تهريبها من مناطق الإنتاج أو التجمع والتغليف إلى مناطق التسويق، ويقتصر أفراد هذه الفئة على التعامل مع أفراد الفئة الثانية و نعني بها فئة التجار بالتجزئة، فهم الذين يقومون بعملية توزيع المخدرات، وهم حلقة الاتصال بين تجار الجملة و المتعاطين، وينتج الفرق بين أفراد الفئتين من أن تجار الجملة يظلون بعيدين عن حيازة المخدرات حيازة مادية، و يتركون أمر تخزينها إلى أعوانهم من ضعاف النفوس حتى يكونوا بمنأى عنها عند ضبطها، أما الموزعين فإن المخدرات تظل في حيازتهم الفعلية طول فترة قيامهم بعملية التوزيع لذا فإن ضبطهم يكون عادة أسهل من ضبط أفراد الفئة الأولى ؛ و يعتمد التجار عادة على المدمنين (مدمني المخدرات) الذين يقومون بهذا العمل من أجل حصولهم هم أنفسهم على حاجتهم منها دون تكبد أي نفقات.  وقد عاقب المشرع المغربي الاتجار في المخدرات غير المشروع في الفصلين الأول و الثاني من ظهير 1974  وذلك باختلاف ما إذا الأمر يتعلق بالمحور الأول المتعلق بتنظيم الاتجار في المخدرات أو المحور الثاني المتعلق بالترويج غير المشروع للمخدرات .
 

الفقرة الثانية : التعامل بالمواد المخدرة
 التعامل بالمواد المخدرة هو كل الأفعال التي تتعلق بالمادة المخدرة سواء أكانت تصرفات قانونية كالبيع و الشراء و المبادلة أو التنازل أو الوساطة أو كانت أعمال مادية كالنقل و التسليم . ولم يستعمل المشرع المغربي عبارة التعامل و لكنه عدد صور هذا التعامل في الفصل الأول من ظهير 24 أبريل 1954 المتعلق بمنع قنب الكيف، و كذا الفصلين الأول و الثاني من ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات، فحضر جميع التصرفات القانونية بالمادة المخدرة والأعمال المادية غير الأحوال المصرح بها في ظهير 2 ديسمبر 1922، وجعل صور التعامل ممنوعة سواء تمت بمقابل أو دون مقابل و سواء تم دفع الثمن أو لم يتم. و السؤال المطروح هو كيف يمكن وقوع الجريمة في حالات البيع والشراء؟.مما لاشك فيه أنه إذا كان الشيء خارجا عن دائرة التعامل بطبيعته أو بحكم القانون، فمن المقرر قانون لأنه لا يصح أن يكون مصلا للحقوق المالية، و لا نزاع في أن المخدرات من الأشياء التي تخرج عن دائرة التعامل بحكم القانون و يترتب على هذا أن كل عقد يرد عليها يعتبر في نظر القانون باطلا بطلانا مطلق،ومعنى هذا أن العقد ليس له في نظر القانون وجود، فالبيع الذي يرد على مخدر لا يعتبر بيعا في حكم القانون المدني فلا تنتقل به الملكية و لا يجب فيه الثمن . و لكن إذا كانت هذه هي نظرة القانون المدني للتصرفات التي ترد على المخدرات و النباتات الممنوع زراعتها، فإن نظرة القانون الجنائي إلى هذه التصرفات جد مختلفة، فهذا القانون لا يهدر تلك التصرفات ولا يتجاهل و جودها و لا يجردها كما يصنع القانون المدني من كافة آثارها لأنه لو قلنا العكس لما وقعت على الإطلاق جرائم البيع والشراء والاتجار ولكان ذكرها في فصول المتابعة في قانون المخدرات من قبل العبث فقط .

 ومن صور التعامل أيضا المبادلة و الوساطة و النقل و التنازل و سنقتصر على عمليتي النقل و الوساطة نظرا لأهميتهما في ميدان المخدرات . والنقل هو القيام بحمل المادة المخدرة من مكان إلى آخر دون أن يكون المتهرب حائز لها كأن ينقل المتهم شخصا يحمل مخدرا بسيارته لأنه لو كان المتهم نفسه هو الناقل للمادة المخدرة فإن هذا الفعل ينطبق عليه وصف المسك و الحيازة  و تنطبق هذه القاعدة على كافة عمليات النقل مهما كانت الوسيلة المستخدمة سواء أكانت برا أو بحرا أوجوا . ويقصد بالوساطة قيام الوسيط بربط الصلة بين طرفي التعامل بمساعدتهما على الأعمال التمهيدية أو التنفيذية لارتكاب الجريمة.وهكذا فقد يقتصر دوره على تهيئ و تسهيل اللقاء أو التعارف بينهما على أن يتولياهما مباشرة و بمفردهما الاتفاق على نوع أو مبلغ المخدر وكيفية تنفيذ العملية، وقد يقوم بحضور الاتفاق و المساعدة عليه و قد يضطلع بدور الممثل فيمثل كل طرف لدى الطرف الآخر و ينقل إليه شروطه دون أن يتم الاتصال المباشر بينهما. و الوسيط لا يعتبر وكيلا عن أحد المتعاقدين و لا أهمية لطبيعة الصفقة التي يتوسط الوسيط فيها و لا لكميتها فقد تكون قليلة أو كبيرة و هي في الحالتين غير مشروعة. إن التكييف القانوني لأعمال الوساطة هو المشاركة طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 129 من القانون الجنائي المغربي التي تعتبر مشاركا من ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين للجريمة في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكابها مع علمه بذلك . ويترتب على هذا توفر سائر شروط الشريك، فإذا كانت الصفقة لم تتم مثلا فلا تقع الجريمة و بالتالي لا يعاقب الشريك لان هذا الأخير يستمد صفته الإجرامية من الفاعل الأصلي، إنما يصح مع ذلك عقابه بفعل المسك إذا كان لم يكتف ببدل مساعيه بين الراغبين في التعاقد و لكنه احتفظ مع ذلك بالمخدر. والمحكمة هي التي تقدر بناء على الأدلة التي تستند اليها ما إذا كان قد تم التعامل فعلا في المواد المخدرة من عدمه على أية صورة كان فالاتجار في المخدرات واقعة مادية يستقل قاضي الموضوع بحرية التقدير فيها.


الركن المعنوي :
 تعتبر جميع الأفعال المادية المعاقب عليها قانونا و التي تصدر عن أشخاص غير مرخص لهم باستعمال المخدرات  واستخدامها عمدية، فيلزم إدا أن يتوفر لدى الجاني القصد الجنائي العام، وهو انصراف إرادته إلى ارتكاب الفعل الإجرامي مع العلم بأن القانون يحظر هذا التصرف .
 

الفقرة الأولى : القصد الجنائي العام
 يقوم القصد الجنائي العام على أساس العلم و الإرادة، أي أنه يتحقق بمجرد قيام الجاني عن إرادة و اختيار بارتكاب الفعل الجرمي و هو يعلم بأن المشرع يحرم ذلك الفعل؛ أي علم الفاعل بأن المادة موضوع الركن المادي في الجريمة هي من المواد المخدرة المنصوص عليها في القانون، وهو علم بكنه المادة أي بماهيتها و طبيعتها، فالعلم الذي يعتقد به هو العلم بالواقع لا القانون. فإن كان يجهل طبيعة المادة أو كنهها فلا يتوفر في حقه الركن المعنوي و يترتب عن ذلك عدم مسؤوليته. ولا يقبل من المتهم الدفع بأن المادة ليس لها تأثير مخدر على الإطلاق مادام الثابت أن المادة كانت وقت ارتكاب الفعل مدرجة باللائحة (ب) الملحقة بقانون المخدرات باعتبارها مادة مخدرة . وفي حالة المنازعة في كنه وماهية المادة المضبوطة لدى الجاني بكونها مخدر أم لا يجب اللجوء إلى التحليل عن طريق الخبرة الفنية وذلك قصد التعرف على حقيقتها.كما أن العلم المكون للركن المعنوي؛ أي العلم يكون المادة هي من المواد المخدرة المجرمة قانونا لا يفترض وإنما يجب إثباته بكافة طرق الإثبات من طرف النيابة العامة، لان القصد الجنائي هو أركان الجريمة الذي يجب إثباته بصورة فعلية ولا يصح افتراضه. وإذا كان المتهم قد تمسك في دفاعه بأنه يجهل كون المادة المخدرة التي ضبطت بحوزته هي من المواد المخدرة المدرجة بالجدول (ب)، فإنه يكون على المحكمة إذا أرادت إدانته أن تبين ما يبرر اقتناعها بعمله بأن ما يمسكه مخدر، فالدفع المتمثل في جهل المتهم بأن ما بحوزته هو عبارة عن مخدر ممنوع يعد دفعا جوهريا منصبا على نفي توافر الركن المعنوي في الجريمة لا تتحقق بدونه و يؤثر ذلك على مصير الدعوى، و لذا يتعين على المحكمة أن تأخذ به أو أن ترد عليه بأسباب صحيحة مستمدة من أوراق الدعوى و ملابساتها ووقائعها الثابتة .

 
 وتوفر العلم من عدمه هو من المسائل الموضوعية التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع من مختلف الظروف التي تعرض عليه. ولا يكفي لقيام الجريمة العلم بأن المادة هي من المواد المخدرة بل لا بد من أن تكون الجاني قد أتى أحد الأفعال المجرمة في جرائم المخدرات بإرادته واختياره، فالجريمة لا تتحقق إذا كان الفاعل قد أكره على إتيان أحد الأفعال المجرمة في قانون المخدرات، وعليه فإن الجريمة لا تتحقق ممن يكره على إتيان فعل من الأفعال المادية لإحدى جرائم المخدرات. ومن المعلوم أن صغر السن لا ينهض بسبب من أسباب انتفاء المسؤولية أو حالة من حالات الضرورة، و لا يقوم مقام الإكراه .ونفس الاتجاه سار عليه القضاء المصري بأن صغر السن لا يعد في جرائم المخدرات من صور الضرورة و لا تقوم مقامها، فلا يجوز لمتهم قاصر أن يتعذر عن جريمة ارتكبها بأن كان مكرها على ارتكابها بأمره والده لأنه ليس في صغر سنه وإقامته مع المتهم الآخر و حاجته إليه ما يجعل حياته في خطر جسيم لو لم يشترك مع هذا المتهم في إحراز المواد المخدرة. ما أن القضاء المغربي لا يجعل من حداثة السن مبررا لانقضاء المسؤولية أوحالة من حالات الضرورة.
 

 ولم يتطلب قانون المخدرات المغربي في جرائم المخدرات توافر باعث معين كركن للتجريم، فالقاعدة أن الباعث على ارتكاب الجريمة لا يؤثر في قيامها وتوافر أركانها، فهو لا يعد ركنا فيها، ولهذا تقه الجريمة سواء كان الباعث عليها قصد الاتجار أو التعاطي أوجب الاستطلاع أو أخفاء أدلة وقعت من الغير أو أي سبب آخر. وهكذا نجد أن ظهير 1974 قد عاقب على مسك المواد المخدرة مهما كانت وسيلة ذلك المسك أو سببه أو مصدره أو الغاية منه، فنقطة الارتكاز هو المسك ذاته فهو الذي يهدف القانون بمكافحته ما لم يكن بترخيص قانوني (فصل 4 وفصل 26 الفقرة الثانية) و الفصل 36 من ظهير 2/11 1922 المتعلق بتنظيم استيراد المواد السامة و التجار فيها و إمساكها و استعمالها.
 

 ثانيا: إن القضاء المغربي يقضي بعدم ضرورة توفر القصد الجنائي الخاص المتمثل في ترويج المخدرات بالنسبة لجريمة المسك أو الحيازة المعاقب عليها الفصل الثالت من نفس الظهير، فقد ورد في قرار للمجلس الأعلى مايلي:”حيث أنه خلافا لما جاء في الوسيلة فإن العرض تمت متابعته والحكم عليه فقط بمقتضيات ظهير 21 مايو 1974 الذي ينص على جريمة المسك المدان بها العارض في فصله الثاني و أنه لا يشترط توفر القصد الخاص فـــي ثبوتها، و إنما تتم الجريمة بمجرد وضع اليد على المخدر بنية الملك و الحيازة والحق في التصرف فيه تصرفا مطلقا كما أن ثبوت الجريمة وسائلها غير مرتبطة بمستوجبات مدونة الجمارك مما قد يكون معه الوسيلة مخالفة للواقع . وقد استقر القضاء على هذا الحكم بالنسبة لجميع الأفعال المجرمة الواردة في ظهير 21 ماي 1974 حيث أنه لم يقع الدليل على توفر القصد الجنائي الخاص .وقد ورد عن المجلس الأعلى قرار آخر جاء فيه “هذا وإن ما أثاره العارض بعدم ثبوت جريمة الاستيراد في حقه بعدم توفر ما يوجب في الفصل 2 من ظهير 1974 من الاستيراد من أجل الاتجار فإنه ادعاء بعيد عن الصواب وتحميل للنص ما ليس فيه اذ الفصل الثالث يعاقب على الاستيراد لذاتية الاستيراد دون اعتبار لدوافعه وبواعثه وكذلك لمقدار كمية المخدر المستورد .من خلال هذه القرارات يتضح أن لا عبرة في قيام الجريمة بالباعث أو الأغراض التي يتوخاها الجانب، فقد عاقب المشرع ومعه القضاء على الأفعال الواردة في ظهير 21 ماي 1974 مهما كانت وسيلة أو سبب أو مصر أو الغاية من هذه الأفعال .ولكن من الأهمية يمكن أن يبين الحكم هل كانت الجريمة هي استعمال المخدرات و تطبيق فصل 8 بكل فقراته، أم كانت من أجل تسهيلها للغير أو الاتجار فيها أو إنتاجها أو صنعها حيث تختلف العقوبة في كل من الصورتين، فقد يستدل مثلا عن كون المسك هو من أجل الاستعمال، وذلك من ضآلة الكمية المضبوطة وكلما زادت الكمية كلما قويت القرائن على المسك هو من أجل الاتجار لا التعاطي و في كلتا الحالتين لا بد من تطبيق التدابير الوقائية الواردة في ظهير 1976 لا سيما ما يتعلق بالتدابير المستحدثة و الخاصة بالمدمنين . 
نقل للفائدة   


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   والمشرع المغربي كباقي التشريعات العربية في محاولة للإحاطة بكل التصرفات الممنوعة قانونا بالمواد المخدرة، وحتى لا يفلت أحد من العقاب نجده يستعمل في نصوصه صورا عديدة من التجريم .