دول المافيا :
قدمت الأزمة الاقتصادية العالمية هدية ثمينة للمجرمين الدوليين، فبفضل ضعف الاقتصاد والتداعيات التي خلفتها الأزمة الاقتصادية العالمية، استطاعت المنظمات الإجرامية الثرية السيطرة بأسعار زهيدة، على شركات تعاني من صعوبات مالية، ولكنها مستقبلا ذات قيمة محتملة. وتجبر إجراءات التقشف المالي الحكومات في كل مكان على تخفيض ميزانيات أجهزة تنفيذ القانون ونظم المحاكم. كما تم تسريح ملايين العاملين الذين أصبحوا أكثر عرضة لارتكاب ما يخالف القانون. وأضافت الأعداد الكبيرة من الخبراء العاطلين في مجال التمويل والمحاسبة وتكنولوجيا المعلومات والقانون واللوجيستيات إلى المواهب العالمية المتاحة للمنظمات الإجرامية.في الوقت ذاته، خفض أصحاب الأعمال الخيرية حول العالم من عطائهم، مما أسفر عن تراجع تمويل الفنون والتعليم والرعاية الصحة ومجالات أخرى يشعر المجرمون بسعادة بالغة في تعويضه، مقابل الوصول السياسي والحصول على شرعية اجتماعية وتأييد شعبي. لا توجد بيئة عمل أفضل من هذه بالنسبة للمجرمين الدوليين، إذ عادة ما تحمل أنشطتهم هامش ربح كبيرا، وتعتمد على النقود السائلة ، مما يعني أنهم يملكون سيولة كبيرة تضعهم في موقف ليس بسيئ أثناء مرور العالم بأزمة ائتمان .
تهديد جديد :
ولا تتوقف المشاكل التي تواجهها جهات الشرطة والتحقيق والقضاء عند زيادة قوة المجرمين وتضاؤل موارد هذه الجهات، ففي الأعوام الأخيرة ظهر تهديد جديد: دولة المافيا. في جميع أنحاء العالم اخترق المجرمون الحكومات بدرجة غير مسبوقة. وحدث العكس أيضا: بدلا من القضاء على العصابات الإجرامية ذات النفوذ، أصبحت بعض الحكومات تجري عمليات غير مشروعة خاصة بها. في دول المافيا، يعمل مسؤولو الحكومة على إثراء أنفسهم وعائلاتهم وأصدقائهم مع استغلال المال والقوة والنفوذ السياسي والعلاقات الدولية بالمنظمات الإجرامية لتعزيز سلطتهم وتوسعة نطاقها. في الواقع، لم يعد المجرمون المحترفون فقط هم من يحتلون المناصب العليا في أكبر المؤسسات غير الشرعية في العالم، بل ويتولاها أيضا مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى ومشرعون ورؤساء مخابرات وقادة شرطة وعسكريون، وفي بعض الحالات رؤساء دول أو أفراد من عائلاتهم. يختلف هذا الاندماج بين الحكومات والجماعات الإجرامية عن الطرق المحدودة التي كان الاثنان يتعاونان من خلالها في الماضي. أحيانا ما تستعين الحكومات ووكالات التجسس، بما فيها تلك الدول الديمقراطية، بمجرمين من أجل تهريب أسلحة إلى متمردين متحالفين معها في دول أخرى، أو من أجل اغتيال أعدائها في الخارج (ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك المحاولة الطائشة التي قامت بها وكالة «سي آي إيه» للاستعانة برموز المافيا الأميركية لاغتيال فيدل كاسترو عام 1960، ولكن على عكس الدول العادية، لا تعتمد دول المافيا على الجماعات الإجرامية في بعض الأحيان، من أجل تحقيق أهداف سياسية خارجية، بل يصبح كبار مسؤولي الحكومة بالفعل أفرادا في المنظمات الإجرامية، إن لم يكونوا قادتها، حينها يصبح الدفاع عن أنشطة هذه المؤسسات وتقويتها من الأولويات. في دول المافيا مثل بلغاريا وغينيا بيساو ومونتينغرو وميانمار (بورما) وأوكرانيا وفنزويلا، تتداخل المصلحة الوطنية مع مصالح الجريمة المنظمة بدرجة لا يمكن الفصل بينهما. ونظرا لأن تقرير سياسات وتخصيص موارد دول المافيا، يخضع لنفوذ المجرمين كما يخضع للقوى التي عادة ما تشكل سلوك الدولة، تمثل هذه الدول تحديا كبيرا لصناع السياسات ومحللي السياسة الدولية. تتحدى دول المافيا التصنيف السهل، حيث يتلاشى الخط الفاصل بين الأطراف التابعة للدولة وغير التابعة لها. لذلك يصبح من الصعب توقع سلوكها، مما يجعل منها أطرافا ذات خطورة خاصة على الساحة الدولية.
ثورة في عالم الجريمة :
يعتمد الاعتقاد السائد حول شبكات الجريمة الدولية على ثلاث فرضيات خاطئة :
أولا: يعتقد العديد من الناس أن الأنشطة غير المشروعة مستمرة منذ زمن. في الحقيقة دائما ما كان المجرمون والمهربون وتجار السوق السوداء موجودين، ولكن اختلفت طبيعة الجريمة الدولية كثيرا في العقدين الماضيين، حيث اتسع نطاق الشبكات الإجرامية لتتجاوز أسواقها التقليدية وتستفيد من التحولات السياسية والاقتصادية وتستغل وسائل التكنولوجيا الحديثة. في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، على سبيل المثال، كانت الجماعات الإجرامية من أوائل من تبنى ابتكارات عالم الاتصالات، مثل التشفير الإلكتروني المتقدم. كما كانت المنظمات الإجرامية من أوائل من اتبع وسائل جديدة في نقل المخدرات، مثل «غواصات تهريب المخدرات» وهي غواصات شبه مغمورة لا تلتقطها أجهزة الرادار أو السونار أو الأشعة تحت الحمراء. وفي الأعوام الأخيرة، استفادت المنظمات الإجرامية أيضا من شبكة الإنترنت، مما أدى إلى تزايد مذهل في الجرائم الإلكترونية، التي كلفت الاقتصاد العالمي نحو 114 مليار دولار عام 2011، وفقا لشركة أمن «الإنترنت سيمانتك».
الاعتقاد الثاني الخاطئ : أن الجريمة الدولية ظاهرة سرية يتورط فيها مجموعة محدودة من المنحرفين، الذين يعملون على هامش المجتمع. ولكن الحقيقة أنه في كثير من الدول لم يعد واجبا على المجرمين، العمل في نشاط سري على الإطلاق، كما أنهم لم يعودوا مهمشين. لقد أصبح زعماء العديد من الجماعات الإجرامية الكبرى، من المشاهير نوعا ما. وأصبح الأثرياء ذوو الخلفيات التجارية المريبة، من محبي أعمال الخير الذين يسعى الناس إليهم، ووصلوا إلى السيطرة على محطات إذاعية وتلفزيونية، ويملكون صحفا ورقية ذات تأثير. علاوة على ذلك، لا يعتمد تراكم ثروات ونفوذ المجرمين على أنشطتهم غير المشروعة فحسب، بل وأيضا على تصرفات أفراد المجتمع العاديين. على سبيل المثال يتعامل الملايين من المواطنين مع السلع الاستهلاكية الصينية المقلدة، وفي أفغانستان في تجارة المخدرات، وملايين آخرون في الغرب يتناولون الماريغوانا بانتظام، ومئات الآلاف من المهاجرين الذين يستعينون بمجرمين من أجل تهريبهم إلى أوروبا، والموسرون في مناطق مثل مانهاتن وميلانو، الذين يوظفون مهاجرين غير شرعيين كمربيات أو مديرات منزل. مثل هؤلاء الأشخاص العاديين يشكلون جزءا لا يتجزأ من بيئة العمل الإجرامي .
الفرضية الثالثة الخاطئة: هي أن الجريمة الدولية تتعلق فقط بتطبيق القانون، وأفضل من يتعامل معها أجهزة الشرطة وجهات التحقيق والقضاء. ولكن في الواقع، أفضل ما تعرف به الجريمة الدولية هي أنها مشكلة سياسية لها مضامين تتعلق بالأمن القومي. من الممكن أن يتشابه نطاق ومجال أقوى المؤسسات الإجرامية في العالم بسهولة مع أكبر الشركات العالمية متعددة الجنسيات. وكما تسعى المؤسسات المشروعة إلى النفوذ السياسي، تفعل مثلها أيضا المؤسسات الإجرامية. وبالطبع دائما ما يسعى المجرمون إلى إفساد الأنظمة السياسية من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة. ولكن لم تكن الجماعات غير القانونية تخطط من قبل للحصول على درجة النفوذ السياسي، الذي يتمتع به المجرمون في الوقت الحالي، في عدد كبير من الدول في أفريقيا وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، ناهيك عن الصين وروسيا .
في العقد الماضي تقريبا، تخطت هذه الظاهرة الحدود، مما أسفر عن ظهور دول المافيا. يؤكد المحقق الإسباني جوزيه غريندا، الذي يملك خبرة تمتد أعواما في محاربة منظمات إجرامية من شرق أوروبا، على أنه في العديد من الحالات يصبح من المستحيل بالنسبة له ولزملائه، التمييز بين مصالح المؤسسات الإجرامية ومصالح الدول المضيفة لها. وكما قال غريندا، دائما ما يواجه مسؤولو تنفيذ الأحكام الإسبان جماعات إجرامية تعمل وكأنها ملحقة بحكومات روسيا البيضاء وروسيا وأوكرانيا. وفي ملاحظات سرية تناقلتها المراسلات الدبلوماسية الأميركية التي نشرها موقع «ويكيليكس»، أوضح غريندا مخاوفه بشأن «النفوذ الهائل» الذي تمارسه ما وصفها بـ«المافيا الروسية» على عدد من القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي، مثل الألومنيوم والغاز الطبيعي. ويشير غريندا إلى أن هذا النفوذ أصبح ممكنا بفضل حجم التعاون الذي يقدمه الكرملين للمنظمات الإجرامية الروسية. في دول المافيا غالبا ما يعمل مسؤولو الحكومة والمجرمون معا، من خلال مجموعات تجارية قانونية ذات صلات وثيقة مع كبار القادة وعائلاتهم وأصدقائهم. ووفقا لغريندا، تستعين موسكو بانتظام بجماعات إجرامية، على سبيل المثال عندما وجهت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية إحدى جماعات المافيا بتوريد السلاح إلى المتمردين الأكراد في تركيا. وفي دليل أكبر على التداخل بين الحكومة الروسية وجماعاتها الإجرامية واقعة سفينة الشحن (بحر الشمال) التي ادعت الحكومة الروسية اختطافها بواسطة قراصنة قبالة سواحل السويد عام 2009. ويبدو أن موسكو أرسلت البحرية الروسية لإنقاذ السفينة، ولكن يعتقد العديد من الخبراء أنها كانت بالفعل تهرب سلاحا باسم الاستخبارات الروسية، وأن الاختطاف والإنقاذ كانا مجرد حيلة للتغطية على عملية التهريب بعد تعطيل العملية من قبل أجهزة مخابرات منافسة. ويقول غريندا إن عملية التهريب كانت مشتركة بين عصابات الجريمة المنظمة، وما سماه «أجهزة أمن أوراسية». وأصيب الروس بالحرج، ولكن كانت النتيجة طيبة بالضرورة، ولكنها هزلية بعض الشيء. وتؤكد هذه الواقعة عدم إمكانية توقع البيئة الأمنية، حيث يصعب فيها التمييز بين الحسابات الجغرافية السياسية للدول ودوافع المنظمات الإجرامية في التربح .
المافيا تملك البلاد :
ليست روسيا الدولة الوحيدة التي لم يعد الخط الفاصل فيها بين المؤسسات الحكومية والجماعات الإجرامية واضحا بصورة يصعب إصلاحها. في العام الماضي، نشر «مجلس أوروبا» تقريرا يزعم أن رئيس وزراء كوسوفو هاشم تاتشي وحلفاءه السياسيين لديهم «نفوذ كبير على تجارة الهيروين وأنواع أخرى من المخدرات» ويحتلون أهم المناصب في «الهياكل التنظيمية للمنظمات الإجرامية التي تشبه المافيا في كوسوفو». ولعل العلاقة بين الدولة والجريمة المنظمة في بلغاريا أقوى، حيث يجدر نقل إحدى المراسلات الدبلوماسية الأميركية التي ترجع إلى عام 2005، ونشرها موقع «ويكيليكس» في العام الماضي، نظرا للصورة المزعجة التي تنقلها عن سقوط بلغاريا إلى دولة مافيا. وفيما يلي جزء من الرسالة :
«تمارس المنظمات الإجرامية نفوذا مفسدا على جميع المؤسسات البلغارية، بما فيها الحكومة والبرلمان والقضاء. وفي محاولة للحفاظ على نفوذهم بغض النظر عن المسؤولين في السلطة، يقدم كبار رجال المنظمات الإجرامية تبرعات إلى جميع الأحزاب السياسية الكبرى. ومع توسع هؤلاء الأشخاص في المشروعات القانونية يحاولون شق طريقهم إلى مسارات السلطة محققين في ذلك قدرا من النجاح.. وفي مرتبة أدنى من الحكومة الوطنية وقيادات الأحزاب السياسية الكبرى، «تملك» المنظمات الإجرامية عددا من المجالس المحلية وأعضاء مستقلين في البرلمان. وهذه المشاركة السياسية المباشرة ـ على عكس الرشوة ـ تعد تطورا جديدا نسبيا في الجريمة المنظمة في بلغاريا. وكذلك في المركز الإقليمي في فيلينغراد، يسيطر زعماء الجريمة المنظمة على المجلس المحلي ومكتب العمدة. وحدثت سيناريوهات مماثلة تقريبا في عدة بلدات وقرى أصغر حجما في بلغاريا.
وأدت هذه الأوضاع إلى تعليق تاناس أتاناسوف عضو البرلمان البلغاري ورئيس مكافحة التجسس السابق بأن «الدول الأخرى لديها مافيا، ولكن في بلغاريا المافيا لديها دولة».
تتداخل الجريمة المنظمة والدولة أيضا في أفغانستان، حيث اتهم كبار مسؤولي الحكومة وحكام الأقاليم ـ ومن بينهم أخو الرئيس حميد كرزاي غير الشقيق أحمد والي كرزاي، الذي اغتيل في العام الماضي ـ ليس فقط بالتآمر مع شبكات الاتجار في المخدرات، ولكن بقيادتها. ومع زيادة انتشار تجارة المخدرات حول العالم تورطت بلدان أفريقية أيضا في هذا النشاط، لتصبح نقاط مرور مهمة لتجارة المخدرات من منطقة الأنديز وآسيا، في طريقها إلى الأسواق الأوروبية. ولم يكن هناك مفر من أن يدخل العديد من الحكام الأفارقة وعائلاتهم، بالإضافة إلى سياسيين على مستويات منخفضة، وضباط جيش وأعضاء في السلطة القضائية، في الاتجار في المخدرات . على سبيل المثال في غينيا، صنفت الحكومة الأميركية رسميا عثمان كونتي ابن الرئيس الراحل لانسانا كونتي عام 2010 كواحد من «أكبر تجار المخدرات». أصبحت أجهزة الشرطة والخدمات الأمنية والمحاكم والحكومات المحلية والإقليمية ومصالح إصدار الجوازات ومكاتب الجمارك جميعا أهدافا لسيطرة المجرمين. في العام الماضي، اعتقل رينيه سانابريا، الجنرال المتقاعد الذي رأس جهاز مكافحة المخدرات البوليفي، على يد عملاء فيدراليين أميركيين في بنما، واتهم بالتخطيط لشحن مئات الكيلوغرامات من الكوكايين إلى ميامي. واعترف سانابريا بجريمته وحُكم عليه بالسجن 14 عاما. كذلك دخلت مجموعة من الجنرالات الذين تقلدوا رئاسة مكافحة المخدرات في المكسيك إلى السجن، بسبب مشاركتهم في الجريمة ذاتها، التي كان من المفترض بهم أن يمنعوها. وتوجد جذور لدولة المافيا أيضا في فنزويلا. ففي عام 2010، عين الرئيس هوغو شافيز الجنرال هنري رانغيل سيلفا قائدا أعلى للقوات المسلحة الفنزويلية، وفي وقت سابق من العام الحالي، أصبح وزيرا للدفاع. ولكن في عام 2008، أضافت وزارة الخزانة الأميركية رانغيل سيلفا على قائمتها لكبار تجار المخدرات، حيث اتهمته بتقديم «مساعدة فعلية لأنشطة الاتجار في المخدرات». كما أطلقت وزارة الخزانة مؤخرا هذه الصفة على عدد من المسؤولين الفنزويليين من بينهم خمسة ضباط عسكريين رفيعي المستوى، ومسؤول في الاستخبارات وعضو بارز في الكونغرس متحالف مع شافيز. في عام 2010، ألقت السلطات الكولومبية القبض على الفنزويلي وليد مقلد، الذي اتهمته دول عدة بقيادة واحدة من أكبر منظمات تجارة المخدرات في العالم. وقبل تسليمه إلى فنزويلا، ادعى مقلد أن لديه تسجيلات فيديو ومحادثات تلفزيونية وشيكات ملغاة وأدلة أخرى، تثبت أنه عمل لصالح شبكة إجرامية يتورط فيها 15 جنرالا فنزويليا (من بينهم رئيس الاستخبارات العسكرية ومدير مكتب مكافحة المخدرات) وشقيق وزير الداخلية وخمسة أعضاء في الكونغرس . وبفضل مثل تلك العلاقات، ازدهرت تجارة الكوكايين في فنزويلا في الأعوام الأخيرة، وأصبحت الدولة تورد أكثر من نصف شحنات الكوكايين المتجهة إلى أوروبا، وفقا لما ذكره مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. ولكن تجارة المخدرات ليست النشاط غير القانوني الوحيد، الذي ازدهر في عصر الجريمة المدعومة من الدولة في فنزويلا، فقد أصبحت البلاد أيضا قاعدة لعمليات الاتجار في البشر، وغسيل الأموال والتزوير وتهريب السلاح وتجارة النفط المهرب. في الماضي، اعتبر دارسو السياسة الخارجية عامة، الجريمة الدولية مشكلة ثانوية نسبيا، تستطيع الأنظمة القانونية الداخلية لكل دولة التعامل معها. واعتقدوا أن تأثير الجريمة غير كبير مقارنة بتهديد الإرهاب أو انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومن حسن الحظ أن الاعتقاد السائد بدأ يتغير، حيث أدرك صناع السياسات أن الجريمة أصبحت مصدرا مهما لانعدام الاستقرار العالمي، لا سيما في ظل ظهور دول المافيا. على سبيل المثال، تتورط عصابات إجرامية في انتشار السلاح النووي بغرض الربح. فقد ادعى عبد القدير خان بائع السلاح النووي الباكستاني الشهير أنه كان ينشر أسرار كيفية صناعة السلاح النووي إلى الدول الأخرى. ولكن كانت الشبكة الدولية التي كونها لتسويق وتوصيل سلعته، تنظيما محظورا ويسعى إلى الربح. لطالما حذر خبراء نوويون من أن الأطراف التي ليست بدول، قد لا تستجيب لاستراتيجيات الردع النووي بالطريقة التي تستجيب إليها الدول، لذلك يوجد داع للقلق من أن تندمج المنظمات الإجرامية مع الحكومات بشكل كامل، وحينها سيكون الردع أصعب. ولعل أكثر الأمثلة المثيرة للقلق في هذا الصدد كوريا الشمالية. ففي حين أعلنت كوريا الشمالية مؤخرا أنها في مقابل مساعدات غذائية ستعلق اختبارات سلاحها النووي وتخصيب اليورانيوم وستسمح لمفتشين دوليين بزيارة المجمع النووي الرئيسي بها، فإنها ما زالت دولة ديكتاتورية تملك سلاحا نوويا، وأدت المشروعات الإجرامية التي توجهها الدولة إلى أن يطلق عليها مسؤولون أميركيون «دولة السوبرانو». كتبت شينا تيستنات غريتنز، خبيرة العلاقات بين الدولة والجريمة في كوريا الشمالية، أن الدولة لديها «وسائل ودوافع لتصدير المواد النووية»، محذرة من أن «الانتشار النووي الذي يتم عبر شبكات غير قانونية، لن يخضع دائما لرقابة الدولة الموردة»، مما يضيف مزيدا من الريبة في وضع خطير بالفعل .
إذا نحينا جانبا الاحتمال المزعج بوجود دول مافيا نووية، ربما تكون الحكومات المتورطة بقوة في تجارة غير مشروعة أكثر عرضة لاستخدام العنف عندما يتعرض دخولها إلى الأسواق المربحة للتهديد. ونذكر في هذا الشأن، الحرب التي اندلعت عام 2008 بين جورجيا وروسيا حول مناطق أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصالية. فوفقا لتوماس دي وال الخبير في شؤون القوقاز من معهد كارنيغي، كانت المنظمات الإجرامية قبل الصراع، تجري عمليات ذات أرباح عالية في أوسيتيا الجنوبية، حيث تشكل التجارة غير المشروعة جزءا كبيرا من الاقتصاد. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على دليل مباشر، فإن حجم تلك الأنشطة غير المشروعة يشير إلى تورط مسؤولين روس رفيعي المستوى عملوا رعاة للمجرمين وشركاء لهم. من المؤكد أن الصراع اشتعل بسبب عدة عناصر من بينها الصراع العرقي والسياسة الجورجية الداخلية والرغبة الروسية في تأكيد هيمنتها على الجوار القريب. ولكن من الممكن أيضا تصور أن من بين جماعات المصالح، التي دفعت الكرملين نحو الحرب، هؤلاء المتورطون في عمليات اتجار مربحة في المناطق المتنازع عليها.
التربح في الظلام :
أصبح من الضروري في الوقت الحالي أن تتجاوز مكافحة الجرائم الدولية مجرد منع الاتجار في السلع المقلدة والمخدرات والأسلحة والبشر، يجب أن تتضمن تلك المكافحة أيضا منع ارتكاب الحكومات للجرائم. تمثل التجارة غير القانونية خطرا أصيلا، ولكن التهديد الذي تمثله للمجتمع يتضاعف عندما يصبح المجرمون مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة وأن تدير الحكومات المنظمات الإجرامية. ولكن لا تستطيع أجهزة تنفيذ القانون مضاهاة المنظمات الإجرامية التي تتسم في الثراء والعنف والشراسة، بل وأيضا تستفيد من الدعم الكامل الذي تحصل عليه من الحكومات الوطنية ودبلوماسييها وقضاتها وجواسيسها وجنرالاتها ووزرائها وقادة شرطتها. تستطيع دول المافيا تحمل أتعاب أفضل المحامين والمحاسبين والوصول إلى أحدث وسائل التكنولوجيا، في حين تعجز أجهزة تنفيذ القانون منخفضة التمويل والمحاكم المنهكة من العمل والروتين البطيء عن اللحاق بمثل هؤلاء الخصوم الأذكياء أصحاب التمويل الجيد. من بين المعوقات التي تواجهها أجهزة تنفيذ القانون أيضا حقيقة أنها وطنية بالطبع، في حين تعمل أكبر وأخطر المنظمات الإجرامية، إلى جانب عملاء دول المافيا، في نطاقات قضائية متعددة. تدمج دول المافيا سرعة ومرونة الشبكات الإجرامية الدولية في حماية قانونية وامتيازات دبلوماسية لا تتمتع بها إلا الدول، مما ينتج هجينا دوليا لا تملك أجهزة تنفيذ القانون المحلية أسلحة كثيرة لمحاربته. تتسم الأدوات القائمة التي تستطيع الحكومات الوطنية أن تستخدمها لمكافحة التهديد الجديد ــ من معاهدات ومنظمات متعددة الأطراف وتعاون بين أجهزة تنفيذ القانون الوطنية ــ بالبطء وعدم العملية وعدم مناسبتها للمهمة. ولكن على أي حال كيف يمكن أن تنسق دولة ما جهودها في مكافحة الجريمة في وجود قادة حكومة أو مسؤولي شرطة من المجرمين؟ .
الانتربول .. الحقيقة المحزنة :
يعرض ظهور دول المافيا مفهوم التعاون الدولي على تنفيذ القانون في حد ذاته للخطر. في عام 2006، اجتمع قادة الشرطة من 152 دولة في البرازيل، وهو الاجتماع رقم 75 للجمعية العامة للإنتربول، التي يطالب دستورها بـ«ضمان وتعزيز أكبر قدر ممكن من التعاون الثنائي بين جميع سلطات مكافحة المجرمين».
كان رئيس الإنتربول في ذلك الوقت هو جاكي سليبي، قائد الشرطة الوطنية في جنوب أفريقيا. وفي خطابه الافتتاحي، نصح سليبي زملاءه بـ«إيجاد أنظمة للتأكد من أن الرقابة على حدودنا محكمة»، وهي مهمة جليلة بالطبع. ولكن من المؤسف أن يتضح أن هذا البطل محتال. في عام 2010 أدين سليبي بقبول رشوة قدرها 156 ألف دولار من مهرب مخدرات. وهو الآن يقضي حكما بالحبس مدته 15 عاما، ولكن الأكثر إزعاجا للإنتربول من أي حرج يتسبب به مسؤول رفيع المستوى، هو ما يعتبره العالمون ببواطن الأمور «مشكلة تدني الثقة»، التي تعوق من جهود المنظمة منذ فترة بعيدة . وصرح لي أحد المسؤولين رفيعي المستوى في جهاز مكافحة الجريمة المنظمة في المملكة المتحدة، عندما سألته عن الإنتربول قائلا: «الحقيقة المحزنة، هي أنني لن أطلع أجهزة الشرطة الروسية أو المكسيكية على أفضل وأدق المعلومات المتوفرة لدي». وعلى الرغم من أن المنظمة قطعت أشواطا كبيرة من أجل ضمان سرية المعلومات التي تطلع عليها أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء، فإن أجهزة تنفيذ القانون الوطنية في الواقع ما زالت قلقة بشأن الإفشاء عن كثير من المعلومات . وفي حين يزداد دور دول المافيا وضوحا، بدأ مسؤولو تنفيذ القانون في جمع أنحاء العالم في تطوير سياسات واستراتيجيات جديدة، من أجل التعامل مع تلك الدول، من بينها مطالبة مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى بالكشف عن أموالهم، وتشديد الرقابة على المحاسبين والمحامين وخبراء التكنولوجيا الذين يحمون أباطرة الجرائم، وتحسين التعاون بين الهيئات المحلية المختلفة. كما أضاف ظهور دول المافيا إلى أهمية البحث عن طرق لنشر مكافحة الجريمة حول العالم. قد تكون إحدى الوسائل المبشرة تشكيل «تحالفات الشرفاء» بين أجهزة تنفيذ القانون، التي تقل احتمالات اختراقها من قبل الجماعات الإجرامية أو سيطرتها عليها. وبالفعل تجرب بعض الدول ترتيبات من هذا النوع، تتجاوز التعاون الثنائي في مكافحة الجريمة، من خلال إدراج ممثلين من أجهزة الاستخبارات والقوات المسلحة إلى جانب أجهزة تنفيذ القانون. وتكمن خطوة أخرى تكميلية في تطوير شبكات متعددة الجنسيات من قضاة ومسؤولي شرطة ومحللي استخبارات وواضعي سياسات للتشجيع على درجة من التعاون أكبر مما يستطيع الإنتربول تقديمها بالاعتماد على الثقة الموجودة بين كبار مسؤولي تنفيذ القانون الذين كافحوا الجريمة الدولية معا على مدار عقود. وكما هو الحال عادة، يعد التعاون طويل المدى بين أفراد متقاربين في الفكر يعرفون بعضهم البعض جيدا، ويشتركون في القيم ذاتها أكثر فاعلية من التعاون الشكلي المدعوم رسميا بين مؤسستين لا يعرف مسؤولوهما بعضهما بعضا جيدا. ولكن من المؤسف أنه على الرغم من الاعتراف شبه العالمي بأن مكافحة الجريمة الدولية تتطلب تحركا دوليا، فإن معظم المبادرات المكافحة للجريمة تظل محلية في الأساس. وفي حين حولت دول المافيا الجريمة الدولية إلى قضية أمن قومي، ما زالت مسؤولية مكافحتها تقع حصريا على عاتق أجهزة تنفيذ القانون. وحتى في الدول المتقدمة، نادرا ما تنسق أجهزة الشرطة وجهات تنفيذ القانون الأخرى مع نظيراتها في الأمن القومي، على الرغم من أن الجريمة الدولية تهدد الحكم الديمقراطي والأسواق المالية وحقوق الإنسان .
عقبة مهمة :
إحدى العقبات المهمة أمام التصدي لانتشار دول المافيا، هو انعدام الوعي الأساسي بين المواطنين العاديين وصناع السياسات حول نطاق الظاهرة، حيث يجعل الجهل بحجم ومجال المشكلة من الصعب زيادة أو الدفاع عن ميزانيات الجهات الحكومية المعنية بمكافحة الجريمة الدولية الهزيلة بالفعل، وخاصة في فترة التقشف المالي. بيد أنه من الصعب نشر هذا الوعي نظرا لأن العديد من جوانب عملية تجريم الدولة ما زالت غير مفهومة ــ وهنا تكمن مشكلة أكبر. سيظل تخصيص أموال عامة من أجل الحد من نفوذ دول المافيا غير مفيد أو سيؤدي إلى نتائج عكسية، إلا إذا أنفقت هذه الأموال على سياسات قائمة على قدر كبير من المعرفة. ومن المؤسف أن دولة المافيا أصبحت ظاهرة لا تتوفر حولها كثير من المعلومات. كما أن الأطر التحليلية التي تطبقها الحكومات في الوقت الحالي على المشكلة بدائية وتعتمد على معلومات قديمة عن الجريمة المنظمة. يستلزم حل مشكلة قلة المعلومات أن تطور أجهزة تنفيذ القانون والاستخبارات والهيئات العسكرية والإعلامية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني والاطلاع على معلومات موثوق بها. ويعد ذلك خطوة أولى يجدر الاعتراف بعدم كفايتها.
نقل للفائدة