|
Rating
0
Views
3021
|
مصطفى محمد عبود القره غولي
12/20/2011 6:16:08 AM
القانون في حضارة وادي الرافدين
إن أهم ما يميز حضارة وادي الرافدين ويضعها في مقدمة الحضارات الإنسانية الأصيلة هو ما شرعته من قوانين وبمختلف الحضارات التي ظهرت على أرضها ،فالقوانين التي تم الكشف عنها من خلال التنقيبات الاثارية التي تمت من قبل بعثات آثارية متعددة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الربع الأخير من القرن العشرين أماطت لنا اللثام عن أقدم القوانين المكتشفة في العالم حتى يومنا هذا وأنها سبقت جميع القوانين والشرائع القديمة المعروفة ومن مختلف الحضارات التي عرفتها البشرية،إضافة إلى أن هذه القوانين كانت على درجة من النضج والتقدم والتنظيم.وكما هو معلوم فالقوانين هي مرآة تصور بصدق واقع المجتمع وعلاقة أفراده بعضهم ببعض الآخر وعلاقة الأفراد بالسلطة الحاكمة ، وان متابعة نشوء وتطور القواعد والتنظيمات القانونية المختلفة هو بمثابة الاطلاع ومتابعة نشوء وتطور المجتمع. وللقانون في وادي الرافدين أهمية خاصة لاعتقاد سكانه آنذاك أن الآلهة هي مصدر جميع القوانين وهي التي أوحت بها إلى الملوك والحكام لإصدارها وبذلك كان الالتزام بها وتنفيذها واحترامها من الواجبات الدينية التي يجب على الأفراد الالتزام بها حتى أنهم لم يعترفوا بأي معاملة من معاملاتهم اليومية إلا إذا كانت مثبتة تحريريا وموثقة قانونياً وهذا يفسر لنا ما تم العثور عليه من أعداد لا تعد ولا تحصى من الرقم الطينية التي دونت عليها عقود ومعاملات مختلفة من عقود البيع والإيجار والرهن والزواج والطلاق والتبني والإرث والزراعة ...الخ.ويتفاخر ويتباهى الملوك في إصرارهم للقوانين باعتبارها تنفيذا لرغبة الآلهة وان هدفهم هو نشر العدل والحق بين الرعية وبما أن مصدرها الآلهة لذا ظلت نفس القوانين سائدة لفترة طويلة كما حصل عند الآشوريين الذين اتبعوا نفس القواعد والمبادئ القانونية التي وردت في قانون حمورابي مع بعض التحوير ، وهذا يعني أن قانون حمورابي عمل لقرون عديدة . ولنتذكر أن المادة الأساسية التي دونت عليها المعاملات القانونية المختلفة هو طين العراق الخالد المستخدم للكتابة وهو الذي بقي مقاوماً لعوامل الطبيعة بالرغم من أنها بقيت مطمورة تحت الأرض لآلاف من السنيين . وتظل النصوص المسمارية مصدرنا الأول لمعرفة وتتبع القانو ن في وادي الرافدين والمتمثلة بالآتي :ـ أولاـ الإصلاحات المدونة وتتصل هذه الإصلاحات بنشاطات الحياة اليومية من اقتصادية واجتماعية ، وقد قام بها آخر حكام لجش وهو اورونمكينا (2365 ـ 2357ق.م ) ، وتعد إصلاحاته اقدم إصلاحات معروفة في العالم لنشر العدل والحق بين الناس والقضاء على الظلم والتعسف تنفيذا لرغبة الآلهة وأوامرها كما ذكر.
ثانياـ القوانين المدونة وتتمثل بالقوانين التي تم الكشف عنها وبعمقها الزمني وهي : 1ـ قانون اور نمو ينسب إلى مؤسس سلالة اور الثالثة السومرية(2113ـ2095ق.م.) وتمت قراءة ما يقرب من ثلاثين مادة قانونية من خلال ترجمة لوحين عثر على الأول في مدينة نفر وعلى الثاني في مدينة اور ، وتكمن أهميته من كونه أقدم القوانين المدونة التي عرفتها البشرية ، وقد كان مدوناً باللغة السومرية ، وتشير مقدمته إلى تاريخ مدينة اور وارتفاع شأنها بتوجيه من الآلهة والى اختيار اور نمو ممثلا للآلهة على الأرض ليحكم في مدينة اور وإنجازاته في نشر العدالة وتوطيد الحق في البلاد وقضائه على الفوضى التي كانت تعم البلاد وتوطيد العدالة .كما ثبت الموازين والمكاييل وقضى على الاستغلال بحيث لم يعد اليتيم يسلم إلى الغني ، ولم تعد الأرملة تسلم إلى الرجل القوي ، والرجل ذو الشاقل لم يعد يسلم إلى الرجل ذي المنا ، وشملت مواده القانونية مجموعة الأحوال الشخصية ومجموعة الرقيق ومجموعة الاعتداء على الأشخاص ومجموعة شهادة الزور ومجموعة التجاوز على الأراضي . واعتمد اور نمو مبدأ التعويض في القصاص أساسا.
2ـ قانون لبت عشتار ينسب هذا القانون إلى لبت عشتار خامس ملوك سلالة ايسن ( 1934ـ 1923ق.م. ) وكتب باللغة السومرية ، وعثر على أجزاء منه في نفر ، ويتكون النص في الوضع الذي تم العثور عليه على مقدمة وخاتمة وبينهما ثماني وثلاثون مادة قانونية ، والقانون بشكله الكامل يضم اكثر من مائة مادة قانونية . والمقدمة شبيهة من حيث المضمون والأسلوب بمقدمة قانون اور نمو والخاتمة شبهة بخاتمة قانون حمورابي التي يحتمل أن الأخير قد اقتبسها منه ، علماً إن المقدمة قد تضمنت تمجيداً للآلهة العظام ولاله المدينة الرئيس وكيفية اختيار لبت عشتار الراعي الحكيم لنشر العدل في البلاد والقضاء على الشكاوي والقضاء على العداوة بقوة السلاح ولجلب الرفاهية للسومريين والاكديين فقام لبت عشتار ذو الصفات الرفيعة والنبيلة امتثالا لرغبة الآلهة وتنفيذا لارادتها بنشر العدل في البلاد و أعطى الحرية لابناء وبنات ايسن و أبناء وبنات سومر واكد. 3ـ قانون أشنونا اقدم القوانين المدونة باللغة الأكدية ويسبق قانون حمورابي ، كشف عنه في تل حرمل قرب بغداد وجاءت تسميته نسبة لمملكة اشنونا التي عاصمتها اشنونا (تل أسمر) ، ويضم القانون مقدمة قصيرة وستين مادة قانونية مدونة على لوحين ، واغلب المقدمة المتكونة من سبعة اسطر تالفة ، والمواد القانونية في الأصل تتكون من مائة مادة لم يبق منها سوى ستين مادة فقط ، وتتضمن المجموعة الأولى تسعير المواد وتثبيت الأجور والمجموعة الثانية السرقة والمجموعة الثالثة عقود تجارية والمجموعة الرابعة الأحوال الشخصية والمجموعة الخامسة الوديعة والمجموعة السادسة عقود البيع والمجموعة السابعة الإيذاء والمجموعة الثامنة الرقيق والمجموعة التاسعة أضرار العجماوات. 4ـ قانون حمورابي يعتبر قانون حمورابي أكمل وأنضج قانون مدون تم الكشف عنه حتى الآن ، وبالرغم من إن عدة قوانين قد سبقته في وادي الرافدين من حيث تاريخ الإصدار ، فلا ان قانون حمورابي ظل المحور الأساس لأي دراسة تاريخية قانونية عن القانون في العصور القديمة ، لوصوله بصيغته الأصلية الكاملة وباعتباره اكمل القوانين و أكثرها موادا . ودون بالخط المسماري وباللغة الأكدية علة مسلة من حجر الديورايت الأسود ويتكون ما يقرب من 282 مادة قانونية كاملة ومقدمة وخاتمة. اصدر هذا القانون الملك حمورابي ( 1792ـ1750ق.م.) وهو الملك السادس في سلالة بابل الاولى بعد توحيده لدويلات المدن اثر الانقسام الذي حصل بعد سقوط سلالة اور الثالثة ، وتمكن حمورابي من توحيد النظم والتعليمات والقوانين التي كانت معتمدة في مختلف الدويلات وجعلها ذات طابع بابلي منسجم مع متطلبات الدولة البابلية وترجمة لسياسته التي اتبعها والتي تظهر بكل وضوح حتى في أسلوب الصياغة القانونية الموحدة لمواده.وفي أعلى المسلة هنالك نحت بارز يمثل اله الشمس (شمش) وهو اله الحق والعدل وفي حالة الجلوس على العرش وبيده عصا الحكم وخيط القياس الخاص بالبناء وتحديد الأسعار وهو يسلمها الى حمورابي الواقف أمامه بخشوع وفي اسفل الصورة المنحوتة تبدأ الكتابة المسمارية المنحوتة حول المسلة بأربعة وأربعين حقلا.كتبت المقدمة بأسلوب أدبي رائع أقرب الى الشعر منه الى النثر واستهلها حمورابي بذكر الآلهة العظام التي فوضت الأمر إلى مردوخ (إله مدينة بابل القومي) وجعلت من مدينة بابل ذات مكانة سامية ثم دعت حمورابي لنشر العدل في البلاد والقضاء على الشر والخبيث فيها ، ولكي لا يستعبد القوى الضعيف ، ثم يستعرض حمورابي كل ألقابه وأعماله العسكرية والعمرانية وطاعته وتقواه وكيف انه حرر سكان المدن وجلب الخير لهم.أما الخاتمة فلم تكتب بنفس الأسلوب الأدبي الذي دونت به المقدمة بل بأسلوب مشابه لأسلوب المواد القانونية وركزت على شرعية هذه القوانين ونسبتها إلى حمورابي مع بيان أهدافها وكيفية الاستفادة منها والتأكيد على مراعاتها وعدم الإخلال بمبادئها ومن إنزال اللعنات على كل من يحاول تخريبها او نسبتها لنفسه. وما بين المقدمة والمتن كانتا هنالك النصوص القانونية والتي تقسم موادها وبالشكل الآتي : ـ 1.التقاضي آـ الاتهام الكاذب ب ـ شهادة الزور ج ـ تلاعب القضاة 2.الأموال آ ـ الجرائم التي تقع على الأموال والمتمثلة بالسرقة وهروب الرقيق والسرقة بعنف ب ـ الأراضي والعقارات وتخص أراضى القوات المسلحة والأراضي الزراعية والعقارات ج ـ التجارة والعلاقات التجارية وهو ما يتصل بالمداينة والوديعة. 3.الأشخاص آ ـ الأحوال الشخصية والتي تخص الجرائم الزوجية و أحكام الزواج ( الزوج الغائب والطلاق والمهر والرابطة الزوجية والزنا بالمحارم والحكام الخطوبة ) والإرث والتبني والرضاعة . 4.أجور الأشخاص والأموال آ ـ مسؤوليات أصحاب المهن و أجورهم ب ـ أجور الاشخاص والحيوانات ومسؤولية أضرارهم . 5.بيع الرقيق والمتتبع للمواد القانونية التي عرفت باسم قانون حمورابي سيجد آن المواد الخاصة بجرائم القتل العمد والخيانة العظمى واختطاف الأشخاص وبعض قواعد البيع والشراء ، لم يتم ذكرها في القانون ويحتمل أنها قد تمت إزالتها بعد سلبها من قبل الملك العيلامي ( شتروك ناخونتي) عام 1150ق.م ونقلها إلى سوسه ، علماً ان هناك خمسة حقول من المواد القانونية مخربة . 6ـ القوانين الآشورية لقد تم الكشف عن أعداد قليلة جدا من الألواح ذات الصلة بالجانب القانوني في العصر الآشوري لا يتناسب مع الأعداد الكبيرة الأخرى التي تم الكشف عنها من النصوص المسمارية وقد تعطى عدة تفسيرات لهذه القلة من النصوص القانونية ، فمن العهد الآشوري القديم هنالك نصوص قانونية تخص تنظيم المحاكم أصول المرافعات وبصورة خاصة فيما له علاقة بالتجارة والحياة الاقتصادية والتي عثر عليها في كبدوكيا في آسيا الصغرى حيث كانت هنالك تقطن جاليات آشورية تجارية . كما عثر في مدينة أشور على القوانين الآشورية الوسيطة والتي دونت في الفترة المحصورة بين 1450و1250ق.م وتخص موادها القانونية من اللوح الأول القضايا الخاصة بالنساء فقط من سرقة وإيذاء وقتل عمد وجرائم متعلقة بالجنس وسمسرة وأحوال شخصية وممارسة السحر وزواج الكاهنات والاغتصاب والإغواء و أخيرا أحكام عامة وجميع هذه المواد يصل عددها إلى الستين مادة قانونية ،وفي اللوح الثاني المتكون من عشرين مادة تختص بالأراضي والعقارات وتوزيعها بين الورثة والاعتداء على أملاك الغير وتحديد مسؤولية ذلك.
وتميزت القوانين الآنفة الذكر بعدد من الخصائص والمميزات نورد منها :ـ 1ـ إنها اقدم القوانين المعروفة في العالم حتى يومنا هذا ، وبذلك تسبق القوانين العيلامية والحثية والعبرانية واليونانية والرومانية والبيزنطية بمئات السنين . 2ـ اختلاف أسلوب تأليف وصياغة القوانين التي تم الكشف عنها من سومرية وبابلية وآشورية وذلك لاختلاف الفترات الزمنية . 3ـ وجود التقسيمات الطبقية فيما يتصل بالمواد القانونية فهناك طبقة الأحرار وطبقة العبيد ، كما ميز بين الفئة الغنية والفئة الفقيرة ، ولكن الملاحظ أن المشرع وقف إلى جانب حماية الطبقة الفقيرة والمعدمة وحاول التخفيف عنها ومنع استغلالها من قبل الفئات الغنية . 4ـ عدم وجود العموميات في المعالجات العامة من قبل هذه القوانين بل أنها اتجهت إلى معالجة قضايا معينة ووضعت لها أحكامها ، مما أدى إلى اعتقاد البعض إلى آن هذه القوانين ما هي إلا عبارة عن قضايا معينة كانت المحاكم قد نظرتها ثم نظمت تلك القضايا ودونت على هيئة قانون . 5 ـ تركيزها على الجانب الدنيوي ولم تتطرق إلى الناحية الدينية وحتى إلى طبقة الكهنة ، بالرغم من أن مصدرها في الاعتقاد السائد آنذاك هو من الآلهة ، باعتبارها هي التي أوحت إلى الملوك والحكام بإصدارها ونشر العدل والحق بين المواطنين . 6 ـ اتباعها أسلوب البينة على أتساس اجتياز المتهم امتحانا قسريا وذلك في حالة عدم توفر الأدلة المادية فيما اتهم به . 7 ـ وضعها لبعض المبادئ القانونية المتطورة والناضجة ولازال صداها في القوانين الحالية المتبعة في معظم الدول المتقدمة.
مثل : ـ آ ـ مبدأ القصاص والتعويض ، أي بتعويض المجني عليه ماديا عن الضرر الذي ألحقه به الجاني ويتناسب التعويض مع قيمة الضرر المادية ، ولا زال معمولاً به في القوانين الحديثة ، و أما مبدأ القصاص فيعني إيقاع نفس الضرر الذي أوقعه الجاني بالمجني عليه أي مبدأ العين بالعين و السن بالسن ، وهو مبدأ قانوني أخذت به الشريعة الموسوية والشريعة الإسلامية وكثير من القوانين والشرائع العالمية الأخرى حيث لازالت القوانين الحديثة مثلا تقتص من القاتل وتقضي بقتله . ب ـ مبدأ القوة القاهرة أو الحوادث الطارئة ، ومضمونه أن الملتزم لا يعفى من تنفيذ التزامه إلا إذا اصبح تنفيذ ذلك الالتزام مستحيلاً بقوة قاهرة أي بوقوع شيء غير متوقع يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً . ج ـ مبدأ عدم جواز التعسف في استعمال الحق الفردي ، أي لا يجوز للشخص أن يتجاوز على غيره أثناء استخدامه حقا من حقوقه . د ـ مبدأ القصد الجنائي وذلك بمعاقبة الجاني استناداً إلى قصده الجنائي ، وعليها تعتمد شدة العقوبة . 8 ـ وردت في البعض من هذه القوانين عقوبات قاسية جدا ولاسيما فيما يتعلق بتطبيق مبدأ القصاص ، ولكنها لا تصل في قسوتها إلى ما عرفته القوانين الأوربية في العصور الوسطى ، فهي لم تعرف التعذيب للمتهم ولا التمثيل به وهو على قيد الحياة و لا تقطيع جسمه بعد الموت ولا رميه إلى الحيوانات .
وصف الــ Tags لهذا الموضوع
حكم قوانين سلطة شريعة مسماري سلالة حقبة
|