ملامح حقوق الإنسان في شرائع العراق القديم/ 1



Rating  0
Views   1064
مصطفى محمد عبود القره غولي
11/24/2011 9:12:43 AM

 
 
ملامح حقوق الإنسان في شرائع العراق القديم/ 1

 
القسم الأول:الحقوق السياسية

 
يراد بالحقوق السياسية ما يقرره القانون العام للأشخاص تمكيناً من المشاركة في ادارة شؤون المجتمع.ومنها حق الانتخاب وحق الترشيح وحق تولي الوظائف العامة الخ...
 
ان الحقوق السياسية اليوم تعتبر جزءاً مهماً من حقوق الإنسان وما دامت دراستنا هذه تناقش موضوع حقوق الإنسان في الشرائع العراقية القديمة فقد وجدنا أن هنالك لمحة لحقوق سياسية في المجتمع العراقي القديم وهذه اللمحة تمثلت بالمجالس العامة، فلقد تأكد وجود هذه المجالس وقيامها بمهام ووظائف هي اقرب ما تكون إلى عمل المجالس النيابية اليوم لكن المعلومات التي وصلتنا لم تزودنا بالكثير عن عمل تلك المجالس إذ بقي جانب من اعمالها وتشكيلاتها مبهما لنا لتبقى الأسئلة تدور في اذهاننا وهي رهينة الاستنتاجات والاعتقادات التي ناقشناها بمنطقية فكرية مجردة عن كل ميل أو هوى إذ ان هدفنا هو الوصول إلى الحقيقة كما هي مبتعدين عن كل تزويق أو تلطيف.
 
أولا:جذور العدالة في وادي الرافدين
 
يرى غالبية فقهاء القانون اليوم أن مبادئ العدالة ما هي الا مجموعة القواعد المجردة التي يقرها العقل السليم والتي تؤدي بالنتيجة إلى احقاق الحق وانصاف المظلوم. وإذا ما تابعنا مسيرة المجتمع العراقي القديم منذ عصر فجر السلالات 3000 ق.م إلى سقول بابل 539 ق.م نلاحظ أن هذا المجتمع حوى الكثير من المبادئ والقيم العليا التي نعتبرها اليوم قيماً سامية وحقوقاً اصلية وهذا ما اتشفيناه من كل ما وصلنا من تلك الفترات التأريخية من حكايات واصلاحات وارادات ملكية وقوانين دلت في مجملها على ضرورة توخي العدالة والمساواة بين الافراد في تلك الفترات الموغلة في القدم.وبالرغم من انقسام المجتمع العراقي القديم إلى طبقات اجتماعية فالباحث في هذا الشأن لا يجد تلك الفروقات الظالمة التي يجدها عندما يبحث في طبقات المجتمع الروماني مثلاً.فالمجتمع العراقي القديم مقسم كما هو معروف على ثلاث طبقات اجتماعية وهي طبقة الاحرار أو ما يصطلح على تسميتها بالاويلم والطبقة الوسطى أو ما تسمى بالمشكينوم وطبقة العبيد وتسميتها وردوم، إلا ان ما وصلنا من وثائق عراقية قديمة ومنها القوانين وضحت وبشكل جلي العلاقة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية بين مختلف طبقات المجتمع فمثلاً كان يسمح للجرل من الطبقة الوسطى أو للرجل من طبقة العبيد بالتزوج من امرأة من طبقة الاحرار وهذا ما اكدته المادة (175) من شريعة حمورابي "إذا تزوج رقيق القصر أو رقيق المسكين بنت سيد، فولدت له اولاداً فلا يحق لصاحب الرقيق ان يطالب باولاد بنت السيد بالعبودية". وعلى الرغم من اختلاف الشرائع العراقية القديمة في تقرير أو عدم تقرير حقوق للعبيد لكن المجتمع العراق يالقديم كان وبشكل عام ينظر إلى الإنسان نظرة إنسانية مجردة بعيدة عن الطبقية أو العنصرية وهذا يدل على وجود قدر من الانصاف والعدالة وقدر من الوعي والادراك لأهمية الذات الإنسانية في تكوين المجتمع وصيرورته وفاعليته.وبالنسبة للاصلاحات الاجتماعية الشهيرة في العالم القديم فإن اقدم اصلاح اجتماعي واقتصادي معروف حتى يومنا هذا هو اصلاح حاكم مدينة لكش اوروأغكينا حث يعود تاريخه إلى عام 2355 ق.م إذ اشارت الوثائق التأريخية إلى ان هذا الحاكم كان قد قضى على كل المساوئ التي كان يتذمر منها سكان تلك المدينة وبالاخص تذمرهم من الضرائب التي كانت مفروضة عليهم خلافاً للقانون وانه أي اوروأغكينا ازال المظالم التي كانت قتع على الفقراء من جانب الاغنياء وكذلك الاستغلال بحيث ذكر هذا الاصلاح ان بيت الفقير قد صار بجوار بيت الثري الكبير وخاصة بعد ان منح الملك الحرية التامة لسكان سلالته علماً ان هذه الكلمة (الحرية) ظهرت ولأول مرة في التاريخ البشري في هذه الوثيقة العراقية القديمة كذلك فإن حكام العراق كانوا وعلى العكس من فراعنة مصر القديمة لا يدعون الالوهية لأنفسهم انما جعلوا من انفسهم ممثلين للآلهة على الارض وهذا الأمر في غاية الاهمية ذلك لأن الملك عندما يؤله نفسه انما يجعلها فوق الجميع ويسمو بذاته عن أي خطأ أو زلة فالفرعون كان يعتبر نفسه الهاً مطلق الحكم وكان يعتبر أيضاً مصدر العدالة والشريعة التي كانت تصدر عن ارادته ومشيئته يغيرها متى ما اراد وبالشكل الذي يرتئيه هو فليس هنالك شريعة ثابتة يقضي بين الناس بموجبها كما هو الحال في العراق القديم.كذلك فإن الدولة وبخاصة في العصر الأكدي كانت قد منحت السكان حريتهم في امور الاعتقاد الديني إذ تؤكد ذلك مواضيع الاختام الاسطوانية الأكدية التي فيها من الادلة المقنعة ما يكفي ويزيد، حيث ان الاختام كما هو معروف ما هي الا مرآة صادقة عكست لنا معتقدات الناس الدينية وغير الدينية ونوعية انتاجاتهم الفنية، لأن صناع الاختام الاسطوانية كانوا لا يختارون مواضيعهم على وفق تصوراتهم الفنية بل ان المواضيع كانت تفرض عليهم من قبل اصحاب الاختام انفسهم واصحاب الاختام لا يختارون الا المواضيع المتعارف عليها في مجتمعهم ولذلك اعتبرت الاختام الاسطوانية المرآة العاكسة لطبيعة المجتمع الذي انتجها والاختام الأكدية وبدون استثناء ذات مواضيع دينية أو اسطورية وان دل هذا على شيء فإنما يدل على الحرية الدينية المطلقة التي كان يتمتع بها السكان.
 
اما بالنسبة للقوانين فيعتبر العراق القديم من اقدم واغزر بلدان العالم القديم انتاجاً للقوانين وهذا مما يؤكد على ان العراقيين القدما كانوا على وعي تام بالأهمية البالغة للقانون في الحياة اليومية ومما يؤكد انضباطهم العالي واحترامهم البالغ لحقوق الآخرين وبالتالي ايمانهم بالعدالة كركيزة أساسية وضرورية لتطور ورقي المجتمع ومن هنا فإننا نجد في مقدمات وخواتم الشرائع العراقية القديمة ما يشير إلى ذلك بوضوع فاغلب شرائع العراق القديم احتوت في صلب مقدماتها على كلمة العدالة من شريعة اور نمو صعوداً وهنا لا يسعنا الا ان نورد بعض المقتطفات من مقدمة وخاتمة شريعة حمورابي.
 
ولكي يعلو (العدل) كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود ولكي ينير البلاد من اجل خير البشر ومنها أيضاً: انا حمورابي محبوب الالهة عشتار عندما ارسلني الاله مردوخ لقيادة سكان البلاد في الطريق السوي ولادارة البلاد.وضعت القانون (ودستور) العدالة بلسان البلاد.لتحقيق الخير للناس
 
في ذلك الوقت اصدرت ما يلي:
 
كذلك في الخاتمة فأصبحت الراعي المحسن الذي صولجانه العدالة ونشرت ظلي الوارف على مدينتي وفي احضاني حملت شعب سومر وأكدوقد نعموا بحمايته وسياستهم بسلام وحميتهم بحكمتي العميقة لكي لا يظلم القوي الضعيف ولكي ترعى العدالة اليتيم والأرمل لقد كتبت كلماتي النفيسة على مسلتي وثبتها امام تمثالي (المدعو) ملك العدالة في بابل المدينة التي رفع رأسها الالهان انووانليل عاليا وفي ايسا كيلا المعبد الذي اُسسه ثابتة كالسماء والارض ولأقضي البلاد بالعدالة ولأوطد النظام في البلاد ولكي امنح العدالة للمظولم
 
ان ما يؤكد لنا بسط العدالة في العراق القديم وخاصة في فترات الحكم الوطني هو ذلك الازدهار لعظيم في كل مناحي الحياة وهذا الازدهار تؤكده المخلفات الاثرية لسكان وادي الرافدين من ملتقطات ولقى اثرية وآثار شاخصة من ابنية ومنحوتات عظيمة فالفن في العراق القديم كان قد قطع اشواطاً طويلة من الر قي والنضج فالنماذج التي ارتكزت عليها اسس الفن الكلاسيكي قد ابتدعت من قبل السومريين والأكديين في الالف الثالث ق.م ليس الفن وحده انما الادب بوجه عام كان قد نشاً وتطور في بلاد ما بين النهرين وان اول ملحمة ادبية في التاريخ على الاطلاق كانت عراقية وهي ملحمة كلكامش الشهيرة للبحث عن الخلود.
فالفن والادب ليسا عملين ماديين فقط انما هما وسيلتنا من وسائل التعبير عن الاحاسييس الفدرية وعن قيم الجمال الشخصية أو لفلسفة الحياة ولذلك فإن الفنان لا يستطيع التعبير عن كل هذا ما لم تتح امامه فسحة الحرية.وليس الفن والادب وحدهما اللذين ازدهرا في العراق القديم انما جميع العلوم الأخرى من طب وفلك ورياضيات وعلوم لغوية إذ يكفينا ان العراق القديم كان بلد الحرف الأول في التايخ البشري على الاطلاق. وان نقطة الفصل بين عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية معتمدة اساساً على اختراع العراقيين القدماء الكتابة حوالي سنة 3000 ق.م.
 
ان ما نريد قوله هو ان الفنان والاديب والعالم والشاعر لا يمكن له ان يبدع ما لم تتوفر له بعض المستلزمات ومن اهمها حرية التعبير والعيش في اجواء طلقة تسودها المساواة والاحترام للنفس البشرية. ونعتقد من خلال ما سقناه ان سكان وادي الرافدين قد تمتعوا بقدر من هذه الحرية ودليلنا في ذلك هو كل تلك الانجازات العظيمة في النحت والعمارة والادب والعلوم الصرفة والانسانية على حد سواء.

 
ثانيا:الحقوق السياسية في العراق القديم

 
ان الإنسان كما يؤكد علماء النفس كائن اجتماعي بطبعه ميال إلى التنظيم. ومن هنا فالانسان لا يستطيع بل لا يصبر على العيش منفرداً انما يعيش في تجمعات ومهما صغرت هذه الوحدات الإنسانية فإنها تبقى لتعبر عن الطبيعة الاجتماعية للانسان، وبالتالي فإن أي تجمع لا بد له من نظام أو منهاج يسترشد به ومهما يكن المجتمع بدائياً أو متحضراً فإن لكل إنسان فيه حقوقاً وعليه واجبات قلب أو زادت لأن حدها الادنى يجب ان يكون متوافراً، هذا من حيث المبدأ.ومن هذا المنطلق فقد تأكد ومنذ وقت مبكر وجود تنظيمات سياسية في المجتمع العراقي القديم خاصة في عصر دويلات المدن السومرية.فقد اهدتنا الوثائق التاريخية المكتشفة إلى ان نظام الحكم في العراق القديم لم يكن حكماً مطلقاً هذا على الاقل في الالفين الثالث والثاني قبل الميلاد إذ ان نظام الحكم المطلق لم يأت دفعة واحدة انما مر في بادئ الأمر بنظام اقرب إلى الديمقراطية خاصة منذ بداية عصر فجر السلالات.
 
لقد كشفت لنا الحفريات الاثرية بان مجالس عامة كانت تشارك الحكام ممارسة السلطة خاصة في القضايا الخطيرة ذات الاهمية البالغة، ان هذه المجالس يعود تاريخها إلى عام 3000 ق.م.ويؤكد العلامة المرحوم طه باقر ان نظام الحكم في العراق القديم قد بدأ بهيأة ديمقراطية بدائية قبل فجر التاريخ عندما نشأت اولى الممالك في بداية عصر فجر السلالات وبوسعنا ان نضع نشوء ذلك الحكم الديمقراطي بوجه التخصيص في العهد الذي سميناه بالعهد الشبيه بالتأريخي أو الكتابي (أي النصف الثاني من طور الوركاء 3800 – 3200 ق.م وعهد جمدة نصر 3200-3000ق).ان المعلومات التي وصلتنا عن هذه المجالس نفيد بأنها كانت اول برلمان في العالم على الاطلاق.
 
ان هذا البرلمان العراقي القديم كان مكوناً من مجلسي هما:
 
1) مجلس الشيوخ (شيخوتم)
 
2) مجلس المحاربين أو مجل الرجال القادرين على حمل السلاح (بابيوتم).

 
ان هنالك شواهد ودلائل عديدة تصور لنا عظم المهام وسعة السلطات التي كان المجلسان يتمتعان بها. فقد جاء في احدى الملاحم ان كلكامش عندما ترك مدينة الوركاء للحرب اناط سلطاته بمجلس شيوخ المدينة، كذلك اشارت اخبار الحرب بين الملك الاكدي نرام-سن وحكام مدينة لكش افور-كيش إلى استدعاء مجلس الرجال المحاربين في لكش لمواجهة حالة الحرب وورد أيضاً في احدى الوثائق ان افور-كيش كان استمر يعيش كمواطن عادي في المدينة بعد ان خلعه اوروأغكينا وحري بنا ان نفسر هذا الاقصاء لا عن طريق العنف انما نتيجة لقرار اصدرته المجالس العامة ودليلنا على ذلك هي احدى الوثائق التي وردت الينا ويعود تاريخها لعهد كوديا والتي تشير إلى امكانية الحكام م نقبل المجالس العامة.ونذكر أيضاً انه في سنة 2650 ق.م كادت الحرب ان تنشب بين سلالتي كيش والوركاء وتشير المعلومات إلى ان سلالة كيش كانت قد ارسلت مبعوثها لمدينة الوركاء تدعوها من خلاله إلى الاذعان لسلطانها غير ان كلكامش كان قد لجأ ازاء هذا التهديد إلى مجلس شيوخ المدينة طلب منهم عدم الاستسلام وحث الشعب على حمل السلاح ومحاربة الاعداء غير ان مجلس الشيوخ اختار الاذعان والخضوع لسلالة كيش وقد اغضب قرارهم كلكامش فقصد مجلس الرجال المحاربين وعرض عليهم طلبه بضرورة محاربة سلالة مدينة كيش وبالفعل نصر هذا المجلس كلكامش وقرر اعضاؤها الحرب دون الخضوع لسلالة كيش وكان نتيجة ذلك ان قام أكا ملك كيش بمحاصرة الوركاء.
 
اننا نستنتج من هذه القصص أن شؤون الدلة وادارتها كانت موزعة بين الملك وهو رأس الدولة وبين مجلسين للشؤوى ومن الامور الطريفة التي تشير إلى نظام الحكم الديمقراطي في العراق منذ فجر التاريخ هو ان العراقيين القدماء كانوا يتصورون آلهتهم كالبشر وكانوا يصورون اجتماعات الآلهة في مجالس الشورى مقدسة في السماء تجتمع فيها الآلة للبت في شؤون البشر الهامة وتناقش فيما بينها وتقرر بالآراء القرارات المقتضية وإذا علمنا ان الالهات كن يشتركن في هذه المجالس فلا يبعد ان يكون للمرأة نصيب في مجالس الرجال بين البشر ويتضح ذلك جليا من اسطور الخليقة البابلية.
 
ويؤكد العلامة صموئيل كريمر وجود المجالس العامة في العراق القديم بقوله:"ان السلطة الاولى كانت بأيدي المواطنين الاحرار بالاضافة إلى حاكم لم يكن الا واحداً من الاعيان وعندما كانت تتطلب الحالة اتخاذ قرارات حيوية بالنسبة للمدينة ككل كان هؤلاء المواطنون يجتمعون في برلمان مؤلف من مجلسين مجلس أعلى (للشيوخ) ومجلس عام للمحاربين".ويشاطر كريمر الرأي الاستاذ هنري فرانكفورت حيث يقول: "ان اقدم هذه المؤسسات السياسية التي عرفت اثارها للآن كانت في الأصل بأيدي المواطنين وكانت السيادة في مدينة الاله تنحصر في مجلس يضم جميع الذكور الاحرار.كما نظن- يقوم بارشاده جماعة من الكبار الذين كانوا فيما يبدو بالاضافة إلى هذا مسؤولين عن الشؤون اليومية".ويؤكد دياكونوف ان هذين المجلسي نادراً ما يرد ذكرهما في الوثائق الإدارية للمعبد غير ان هناك دليلاً وافياً على قيامها في كل عصور تاريخ القسم الجنوبي من العراق تقريباً والتي كانت قد امتدت من الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد ولغاية وقت متأخر فقد ورد ذكر مجلس الشيوخ في نصوص لغوية وانه كان مبثابة هيأة مديري المعبد في عهود جمدة نصر عندما لم تكن مزرعة المعبد قد انفصلت بعد عن المجتمع وفي شروباك في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد كانت الوثائق تؤخ بكل وضوح بدلالة تعاقب الألقاب التي تعود إلى وحدات اقليمية وقبلية مختلفة كان رؤساؤها يقومون بالتعاقب برياسة مجلس الشيوخ كما يرد ذكر هذا المجلس كجهة رسمية في توثيق العقود وذلك في الوثائق التي تعود إلى الاكديين في القرن الثالث والعشرين ق.م والى سلالة اور الثالثة في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد.كما يؤكد كريمر انه كان هناك رئيس للمجلس يشرف على النقاش ويخاطب الملك بالنيابة عن المجلس.ان ما يراه دياكونوف من تحليل مدونات مسلة مانشتوسو التي تعود بتاريخها إلى العصر الاكدي، ان مجلس المحاربين، هو الآخر كان يلعب دوراً فعالاً في الحياة السياسية خلال ذلك العصر.

 
صلاحيات المجالس العامة في العراق القديم

 
من الوثائق التي اسلفنا ذكرها نستطيع أن نحدد مهام ووظائف أو صلاحيات المجالس العامة في العراق القديم وتتركز هذه المهام بـ:
 
- اعلان الحرب واقرار السلم.
 
- انابة الحاكم عند غيابه عن الدويلة.
 
- انتخاب الحاكم وعزله عن منصبه.
 
- تقديم المشورة للحاكم.
 
- الاشتراك مع الحاكم في ادارة شؤون المدينة.
 
- منح صفة المواطنة وسحبها
 
- مهام عامة: وهي المهام التي اصطلح على تسميتها هنري فرانكفورت بالشؤون اليومية التي توجد في أي مجتمع مع الفارق بين مجتمعاتنا اليوم والمجتمعات القديمة فمن الامور الحياتية (الشؤون اليومية) في المجتمعات القديمة امور الزراعة والري والضرائب والمشاكل الأخرى التي ربما قد تثور بين السكان في الدويلة فكل هذه الامور هي امور عامة فالمجالس العامة وبخاصة مجلس الشيوخ كان يمتلك صلاحية النظر في مثل هكذا امور ومن ثم التوفيق بين المصالح المتعارضة وذلك خدمة للصالح العام.ان هذه المهام أو الصلاحيات تعتبر سلطات واسعة إذا ما قورنت بصلاحيات المجالس النيابية الحالية.

 
نظام العضوية في المجالس العامة

 
ان صورة دقيقة لنظام العضوية في المجالس العامة في العراق القديم لم تتضح لنا بعد لكن هنالك بعض الاشارت التي ربما تمكننا من التوصل لمعرفة نظام العضوية في تلك المجالس والشروط الواجب توفرها في الشخص ليصبح عضواً.

 
1) مجلس الشيوخ

 
ربما تدل التسمية على شخصية اعضاء المجلس ويجب الا يفهم من معنى الكلمة حرفيتها إذ يمكن ان يكون الشيخ رجلاً وسطاً وليس كهلاً ويمكن أن يكون كهلاً لكن بالتأكيد ان هنالك معياراً معيناً يمكن القياس عليه ويغلب الظن ان الشيخ هو الشخص المعروف في وسطه الاجتماعي والمحترم من قبل الكافة أن يكون ذا نفوذ معول عليه سواء كان هذا النفوذ مادياً ام اعتبارياً وان يمتلك قدراً لا بأس به من الخبرة والدراية في امور الحياة المختلفة. وبعبارة اخرى فإن مجلس الشيوخ يضم اشراف القوم نبلاءهم وهؤلاء بطبيعة الحال محدودو العدد مهما كثروا نسبة لعدد سكان أي مجتمع.وبما أننا نتكلم هنا عن فترة عصر دويلات المدن السومرية فإن أي دويلة من تلك الدويلات لم يكن سكانها ليتجاوز بضعة آلاف رجالاً ونساءاً واطفالاً وعلى هذا الأساس فإن عدد أعضاء مجلس الشيوخ لم يكن ليتجاوز بضع عشرات من الاعيان.

 
2) مجلس المحاربين

 
ان طبيعة الحياة التي كانت سائدة في دويلة المدينة هي حياة بسيطة لم تصل بعد لمستوى النضج السياسي الذي نعيشه اليوم. وعليه فإن المؤسسات السياسية يومذاك كانت اولية ويجب ألا يغرب عن البال اننا نتكلم هنا عن البدايات لما هو معروف اليوم بالتمثيل البرلماني إذ ان مدى تصورنا للعضوية في مجلس الرجال المحاربين هو كون الشخص رجلاً حراً قادراً على القتال أي اننا هنا نخرج م دائرة تمثيل السناء والاطفال والعبيد والكهول ولربما كان العبيد يشاركون في الدفاع عن الدويلة لكن دون اخذ رأيهم لأنهم تابعون لأسيادهم وبهذا التصور فإن العضوية في مجلس المحاربين أيسر شروطاً من العضوية في مجلس الشيوخ وهؤلاء المحاربون بطبيعة الحال يزدادون سنة بعد اخرى فالفتيان اليافعون يكبرون وتشتد سواعدهم وعندئذ يستطيعون الدفاع عن مجتمعهم ومدينتهم وعليه فإن مجلس المحاربين يتكون من عدد غير محدود من الاعضاء وهو قابل للزيادة دائماً.

 
قواعد اتخاذ القرار في المجالس العامة

 
ان قواعد موضوعية تستند عليها المجالس العامة في العراق القديم لاتخاذ القرار امر محل نظر إذ لم يصل الفكر السياسي آنذاك لما وصل إليه فكرنا السياسي المعاصر من تطور لعملية اتخاذ القرار.وعلى العموم فإن ظروف الحال في تلك الحقب هي التي كانت تصنع القرار ولكن بقدر معلوم إذ ان ما نستشفه مما توصل عليه بعض علماء الآثار من تحليل لطبيعة عمل تلك المجالس تبرهن على أن للمجالس العامة حرية في عملية اتخاذ القرارات وان انقسام المجالس العامة إلى مجلسين جاء نظراً لطبيعة هذين المجلسين في نواحي مختلفة ولطبيعة الحياة العامة السائدة في تلك الفترات.ان ما يؤكد عليه الاستاذ فرانكفورت هي الطبيعة الاستشارية لمجلس الشيوخ غير ان هذه الطبيعة الاستشارية لا تحتم بطبيعة الحال عدم الاخذ أو تجاهل رأيه (مجلس الشيوخ) بل ان رأيه معول عليه إذ ان اعضاءه هم سادة القوم واشرافهم واكثرهم حنكة ودراية في امور الحياة المختلفة لكنه وفي بعض الاحيان ربما قد تتقارب الآراء وذلك تبعاً لظرف سياسي معين عندها يعلو رأي مجلس على رأي مجلس آخر لكننا نرى ان اتخاذ القرار يكون تشاورياً الا في حالات نادرة (كما في قصة الحرب بين كيش والوركاء) فمجلس الشيوخ يرشد مجلس المحاربين للقرار الذي يعتبره صائباً وهنا يتوجب علينا ان نشير إلى ان مجلس الشيوخ ذو طبيعة سياسية بحتة اما مجلس المحاربين فإننا نعتقد أن طبيعته مزدوجة سياسية وعسكرية على أنه لا يمكن ان نغفل ان مجلس الشيوخ يتمتع بصلاحيات ادادرية تنفيذية ومن هنا فمجلس الشيوخ مع مجلس المحاربين شكلان سلطة واسعة النفوذ في دويلة المدينة ويشاركان الحاكم في تسيير امور الدويلة إذ انهما يتمتعان بصلاحيات واسعة خاصة في عصر دويلات المدن.

 
نظام التصويت في المجالس العامة

 
اما عن آلية نظام التصويت على القرار في المجالس العامة فلا يمكننا ان نعتبره تصويتاً بالمعنى الدقيق للكلمة فهو لا يستند إلى نسب مئوية منضبطة كما هو الحال في المجالس النيابية اليوم فهو وان جاز التعبير اقرب إلى عملية الاستفتاء الشعبي منه إلى القرار التشريعي المعروف في فقه القانون الدستوري رغم انهما يلتقيان بالنتيجة وهذا الأمر واضح كل الوضوح طبقاً لطبيعة الحياة يومذاك ولقصر القرارات على الخطوط العريضة بحيث ان موضوعات القرارات تلك هي امر من امرين فالقرار فيها اما ان يصدر بالرفض أو بالموافقة أي ان الحياة العامة في تلك الفترات لم تكن متشعبة كما هي عليه حياتنا اليوم.ان في اعتقادنا ان لمجلس المحاربين يداً طولى في عملية اتخاذ القرار وربما كانت له صلاحيات أوسع من مجلس الشيوخ على اعتبار ان لمجلس المحاربين ثقلاً عددياً ودعماً شعبياً ورأينا هذا تؤكده بعض الوثائق التي اسلفنا ذكرها ويشير إليه بعض الباحثين ومنهم العلامة فرانكفورت.

 
دورات انعقاد المجالس العامة

 
يؤكد لنا الدكتور صبيح مسكوني في مؤله تاريخ القانون العراقي بأن المجالس العامة كانت تجتمع في جلسات علينة عادية واستثنائية لكن تفصيلاً اكثر لهذه الجلسات وطبيعتها وكيفية انعقادها والاوقات التي تعين للانعقاد وأمور اخرى كثيرة لا نجد لها جواباً شافياً في مؤلف الاستاذ مسكوني أو في أي مؤلف يبحث في تاريخ القانون العراقي القديم.ان ما ذهب إليه استاذنا الدكتور مسكوني هو امر منطقي إذ ان أي مجلس نيابي اليوم فيه نوعان من الجسات عادية وهذه تنعقد في فترات معلومة ومحددة سلفاً اما الجسات الاستثنائية فهي جلسات حادثة أو طارئة تنعقد في اوقات غير معلومة ولمنقاشة أمر خطية لا يحتمل التخير لحين انعقاد الجلسات العادية للمجلس ولو عقدنا مقارنة بين جلسات المجالس العامة في العراق القديم وبين المجالس يسعى الملوك لتثبيتها وهذا المبدأ يعني خضوع السلطة إلى جانب الافراد إلى حكم القانون الذي تصدره الدولة والدولة التي يخضع فيها الافراد والحاكم لسلطة حكم القانون يطلق عليها بالدولة القانونية وبديهي ان خضو عالحاكم للقانون لا يمكن ان يكون بنفس الصورة التي يضخع فيها الافراد للقانون لأن السلطة هي التي تنشئ القانون ولذلك يكون خضوع السلطة على أساس التقيد الذاتي.وتدلنا الوثائق التاريخية في حضارة وادي الرافدين ان الافكار الاولية لمفهوم سيادة القانون كانت موجودة فالتاريخ لا ينسى فضل ملوك العراقيين القدماء على الثقافة القانونية الذي في تدوين القوانين وبالرغم من ان سلطة اصدار القوانين كانت مقصورة على الملوك وحدهم، فأوامرهم وكلماتهم كانت هي القانون فخضوعهم لسيادة القانون كان موجوداً.لذلك فإن السلطة كانت مقيدة بتطبيق احكام القانون وقواعد العدالة وان هذه السلطة لم تكن مطلقة فقد كان الملك مقيدة بتطبيق احكام القانون وقواعد العدالة وان هذه السلطة لم تكن مطلقة فقد كان الملك مقيداً بقواعد دينية وعرفية وقانونية تلزمه باتباع ما تأمر به العدالة والقانون فكان الملك الذي يمثل قمة الحكم يسعى بكل الوسائل لضمان العدالة واحقاق الحق وانصاف الرعية، وان التزامه بضمان العدالة هو من ابرز الامور التي ضمن لمملكته الازدهار ولحكمه الدوام وهناك نص من ادب الحكمة يتضمن الصنائح الموجهة إلى الحكام تلزمهم بتحقيق العدل بين الناس ويرجع تاريخه إلى العهد الاشوري الأخير 911-612 ق.م وقد جاء في هذا النص "ان الملك إذا لم ينشر العدالة... وإذا لم يستمع إلى نصح مستشاريه فإن حياته ستكون قصيرة ان رعيته ستثور عليه وان مملكته ستتهاوى".

إذا كانت صورة الملك وهو اعلى سلطة في البلاد بهذه الحدود والصرامة في التزامه بالعدالة وتحديد الحقوق والواجبات، فإنه من باب اولى ببقية افراد المجتمع ان يسيروا على هذه الصورة بل يكون لزاماً عليهم تحقيق هذا الالتزام لا سيما وان الوضع العام للحياة في وادي الرافدين ينسجم مع التنظيم والالتزام الذي يجسده القانون.
ويعلل بعض الباحثين ومنهم الاستاذ طه باقر عدم استمرارية المجالس العامة للعب الدور الذي كانت علهي عند تكوينها الأول لاسباب منها:
 
1) انها لم تكن منسجمة مع الظروف والاوضاع التاريخية ومع اتجاهات تطور المجتمع في حينه ضمن اوجه تنافره مع الاوضاع التأريخية، انه كان يحول دون التوسع السياسي في دولة المدينة إلى دولة اكبر تشمل موطن الحضارة السومرية جميعه وهو التوسع الذي كانت تقتضيه الاحوال التاريخية.
 
2) الديمقراطية البدائية شكل من الحكم لا يليق ابان الازمات التي كثيراً ما كانت تقع فيها دويلات المددن المختلفة لا سيما وان طريقة الحكم بموجب تلك الديمقراطية كالتصويت والانتخاب (انتخاب المجالس) ومبدأ الأكثرية والاقلية لم تكن معروفة مما دعا إلى الحاجة إلى الحسم في القرارات بطريقة السلطة الفدرية وقد صاحب هذا التحول اتجاه نظام الحكم إلى تمركز السلطات بيد الملك وحكومته. 


 

وصف الــ Tags لهذا الموضوع   عدالة حقوق شؤون انتخاب فقهاء سلالات عبيد تاريخ