التشريعات العراقية القديمة



Rating  0
Views   906
مصطفى محمد عبود القره غولي
11/20/2011 7:49:28 AM

التشريعات العراقية القديمة
 
( انا حمورابي الامير الاعلى عابد الالهة لكي انشر العدالة في العالم، واقضي على الاشرار الاثمين، وامنع الاقوياء ان يظلموا الضعفاء، وانشر النور في الارض، وارعى مصالح الخلق).
 
كان الاعتقاد السائد لدى العراقيين قديماً بأن الالهة هي مصدر السلطة،وان القانون والحكم ينزل من السماء وهذا الاعتقاد الذي تحول الى نظرية للحكم استمرت حتى عصور متأخرة في حكم مناطق وبلدان عديدة من العالم.
وبالنسبة للعراق القديم فقد استطاع السومريون توحيد مدنهم في دولة ثم لتمتد خارج جنوب العراق، زمن الملك السومري (لوكال زاكيزي) ليبدأ التاريخ والتدوين اول مرة في حياة الانسان.وعندما كانت بلاد ما بين النهرين دويلات متعددة تتكون كل منها من مدينة معينة وما يحيط بها من اراض قامت دولة المدن كما يسميها المؤرخون، هذه المدن تعتبر الخلية الاساسية في التنظيم السياسي وكان تأسيس المدينة عملاً الهياً، يتم بناؤها على اوامر الالهة بوصفها مركزاً للعبادة، وكان الملك يمثل الوسيط بين الالهة والبشر ونقطة التلاقي بين الارض والسماء.ان توسط الملك بين الالهة والبشر جعل تلقيه القوانين من الالهة ليحكم بمقتضاها بين الناس بمثابة القاضي الاعلى وتجب طاعته على الجميع كذلك يمثل الملك الكاهن الاكبر للديانة وهو الذي يدير اموال الالهة.وعندما قويت اجهزة الدولة وتمركزت القوة بيد سلطة واحدة امكن فرض ارادتها على الجماعات المكونة لها وتمكنت من ممارسة القضاء كاملاً وتفسير وتطبيق القانون في المنازعات واصدار احكام ملزمة يضمن تنفيذها ما للدولة من اجهزة قسر واكراه قانوني او مادي.
 
نشأة وتطور القواعد القانونية
 
يرى العلماء ان فكرة القواعد القانونية ظهرت بصورة متشابهة في جميع المجتمعات البدائية بشكل احكام الهية، اصبحت فيما بعد قواعد عرفية غير مكتوبة،بعدها استقرت على ما هي عليه ليغدو التشريع اوامر مكتوبة بعد ان عرف الانسان الكتابة.لقد عبد الانسان اسلافه وهذا ما جعله يخشى ارواح الموتى واعتقد بوجود الالهة وبالتالي ضرورة ارضائهم كذلك عبد الظواهر الطبيعية والغرائز والشمس والقمر واعتقد بوجود كائنات خارقة (كما ان تفكيره في اصل الانسان والكون والوجود والعدم، ادى الى تخيل الالهة وراء ذلك فرمز لها بأشياء او ظواهر حسية وعبدها)وبعد ان تطورت الاوضاع الاقتصادية وتمركز الثروات بأيدي طبقة معينة مثل رئيس القبيلة وقواد الجيش ورجال الدين دفع الى نشوء اجهزة اختصاصها المحافظة على امتيازات تلك الطبقات وما تتمتع به... وبما ان هؤلاء كانوا الاقرب الى الالهة فانهم كانوا يدلون بأحكامهم ناسبيها الى الالهة ولتتخذ بعدها القرارات القضائية شكل احكام الهية، والسبب عدم معرفة هذه الجماعات ما هو القانون الوضعي. فالقانون والدين والاخلاق كانت تختلط عموماً مع بعضها فكان منها ما هو مستمد من العرف ومن الدين وعندما اتسعت المجتمعات وتطورت وازدهرت الزراعة ظهر تنظيم قانوني جديد كالبيع والايجار صاحبه ظهور نظام الدولة (على اثر اضعاف سلطان رؤساء العشائر او القبائل وانتقاص سلطات رجال الدين بحيث انفصلت السلطة الدينية عن السلطة الزمنية) على اثرها بدأ ظهور القواعد القانونية المتجردة عن صفتها الالهية شيئاً فشيئاً زمن (البابليين والاشوريين والمصريين القدماء تمكن بعض الملوك من التخلص من نفوذ رجال الدين),وقد كان للكتابة اثرها في الحفاظ على القواعد القانونية من الضياع وضمان تطبيقها بمختلف اجزاء الدولة التي تتعدد مراكز القضاء فيها.
 
 
المدونات القانونية في بلاد ما بين النهرين
 
المدونات القانونية القديمة هي صورة امينة وصادقة للحياة السياسية والاجتماعية للمجتمع الذي ظهرت فيه وما وصل اليه من درجة حضارية. كما ان التدوين يرتبط بظهور الكتابة.. وهذا لا يعني ان ارتباط التشريع بالكتابة بوصفه مصدراً للقاعدة القانونية.
ويرى كثير من الباحثين ان هناك اسباباًَ كثير ة للتدوين منها:-
1- اتساع رقعة الدولة وازدياد عدد السكان على نحو يتعذر معه انفراد شخص واحد بمهمة القضاء.
2- توحيد القوانين الواجبة التطبيق بعد اندماج دويلات (المدينة الدولة) في بلاد ما بين النهرين.
3- التدوين يحفظ القواعد القانونية من الضياع والتحريف.
4- التدوين ييسر على القاضي تطبيق القانون وتفسيره.
5- التدوين وسيلة لنشر القانون بين الناس. وماعثر عليه من الواح ورقم طينية في العراق ازاح النقاب عن حضارة رائعة تستند الى احترام حقوق الانسان ويعتز ملوكها بانهم حراس عدل وان الضعيف في عهدهم لا يترك للقوي ان يستلب حقه.
 
(ومما لا مراء فيه ان يكون تدوين القوانين والانظمة القانونية والاجتماعية في تثبيت الاعراف الاجتماعية التي تسير بموجبها المجتمعات معياراً اوثق في تقييم مستوى تلك الحضارة العمراني ودالة ومؤشراً حضارياً على توطيد التنظيم الاجتماعي وتغلغل روح النظام والقانون والتماسك الاجتماعي). وما جاء من شرائع وقوانين لحضارة ما بين النهرين تؤكد اولى الخطوات والمحاولات الانسانية في المسيرة التارخية الطويلة عبر العصور للوصول الى تنظيم مجتمع متحضر قبل اكثر من اربعة الاف عام.ورغم اختلاف الباحثين في سبق الحضارات الا ان الاسس والمقومات الحضارية التي يقوم عليها كيان المجتمعات المتحضرة ظهرت في حضارة وادي الرافدين قبل جميع الحضارات القديمة.والشرائع العراقية القديمة تسبق اقدم ما معروف من شرائع وقوانين في سائر المجتمعات والحضارات الاخرى بعشرات القرون ” فلم تصلنا شريعة واحدة كاملة من وادي النيل تسبق القرن الخامس ق.م اما القانون اليوناني فلا يتعدى تدويته القرن السادس ق. م والقانون الروماني القديم او الالواح الاثنى عشر يرجع تاريخها الى القرن الخامس ق. م اما مجموعة القوانين الرومانية الجستنيانية فتعود الى القرن السادس الميلادي“ مما يؤكد ان القوانين المدونة في الفترة السومرية القديمة جداً يمكن البناء عليها استنتاجاً على وجود انظمة وشرائع منذ فجر السلالات وان ما قام به حاكم (لكش) (اوروكاجينا) من اصلاحات قانونية تفترض حتماً وجود مجموعة من التشريعات والاعراف اقدم منها.. وهذه الاصلاحات يعود تاريخها الى سنة (2355 ق. م) وهي اقدم الاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المعروفة في تاريخ البشرية اضافة الى ما عثر عليه من رقم طينية تقيم تلك الاصلاحات وتؤكدها.
 
وفي العودة الى اسباب الاصلاحات نجد ان دولة (لكش) يوم ذاك ازدهرت حضارياً وقويت عسكرياً وهذا ما جعلها تدخل معارك مع جاراتها من دويلات وما ينتج عنها من انتصارات صاحبها تدفق غنائم وكثرة موارد اقتصادية واتساع اراضيها الزراعية وطاقاتها البشرية، ادى الى ارتفاع مستوى المعيشة فيها، سبب هذا نوعاً من الترف نتج عنه كسل وركود الجأ المتسلطين في المجتمع الى استخدام وسائل ابتزاز للحفاظ على مستواهم المعاشي المرتفع، فدب الفساد وعمت الفوضى لذا استدعى من (اوروكاجينا) القيام باصلاحاته لانه (يخاف الالهة ويحترم املاكها)
 
 

وصف الــ Tags لهذا الموضوع   الهة سلطة عدالة سومري دويلات مصالح عصور حكم