انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

محاضرة رقم ( 4)

Share |
الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون العام     المرحلة 1
أستاذ المادة ليلى حنتوش ناجي       06/12/2018 08:39:01
محاضرة رقم ( 4)
القانون الدستوري ( أركان الدولة ) ( * )
الفصل الثاني
أركان الدولة
رغم تباين الاتجاهات الدستورية بشأن تعريف الدولة ، فإن الإجماع يوشك أن ينعقد على إنه يلزم لكي توجد الدولة أن يكون هناك مجموعة من الأفراد تعيش مستقرة في إقليم محدد وتخضع لسلطة سياسية معينة .
وبذلك يقتضي قيام الدولة توافر أركان ثلاث : الشعب ، والإقليم ، والسلطة السياسية . وتبعاً لذلك سوف نقسم هذا الفصل إلى مباحث ثلاثة :
المبحث الأول : الشعب
المبحث الثاني : الإقليم
المبحث الثالث : السلطة السياسية
المبحث الأول
الشعب
يعد وجود الشعب ، ركن أساسي لابد منه لقيام الدولة ( 1 ). ويقصد به مجموعة الأفراد الذين تتكون منه الدولة ، وهم الذين يقيمون على أرضها ويحملون جنسيتها ( 2 ).
و لا يشترط عدد معين كحد أدنى من الأفراد لقيام الدولة . فقد يقل العدد عن بضعة آلاف ( كإمارة موناكو ، وأندورا ، وبعض الدول العربية ) . وقد يزيد العدد فيتجاوز عدة مئات من الملايين ( كالهند والصين ) ، وإن كان يلاحظ أن كثرة عدد أفراد الشعب ، تكون عاملاً في زيادة قوة الدول ونماء إنتاجها وثروتها وبسط سلطانها ، كما إن الجماعة السياسية في العصر الحديث إن قل عدد سكانها إلى حد كبير فإنها لا تمثل الثقل السياسي الذي تمثله الدولة ، رغم توافر عناصرها القانونية ( 3 ) .
والغالب أن يسود بين أفراد الشعب ، الانسجام المعنوي القائم على الجنس واللغة والدين أو غيرها من العوامل ، ولكن هذا ليس شرطاً أساسياً ، لأن الدولة يمكن أن تحتوي على عناصر لا تنسجم مع سائر المجموعة في الأصل أو اللغة أو الدين أو التقاليد ، الأمر الذي يثير الآن مشكلة الأقليات .
وعلى كل حال ، سواء وجدت الرابطة المعنوية أم لم توجد ، فسائر أفراد الشعب يرتبطون برابطة سياسية وقانونية ، وهي الجنسية أو الرعوية ، وهي العلاقة التي تربط الرعايا بدولتهم .
أولاً-مفهوم الشعب :
للشعب مفهومان ، المفهوم الاجتماعي والمفهوم السياسي ( 1 ).
ويعني ( مفهوم الشعب الاجتماعي ) : كافة الأفراد الذين يقيمون على إقليم الدولة ، وينتمون إليها ، ويتمتعون بجنسيتها ( 2 )، ويطلق على هؤلاء رعايا الدولة الوطنيين .
أما ( مفهوم الشعب السياسي ) فيقصد بـه : الأفراد الذين يتمتعون بحق ممارسة الحقوق السياسية ، وعلى الأخص حق الانتخاب ، أي الذين تدرج أسماؤهم في جداول الانتخابات ، ويطلق عليهم جمهور الناخبين .
وعلى هذا يبقى الشعب بمعناه الاجتماعي ، أوسع نطاقا من الشعب بمعناه السياسي ، الذي يستبعد فئات متعددة من أفراد الشعب ، بحكم مركزهم القانوني ، سواء تعلق الأمر بالناحية الذاتية كفاقدي الأهلية ، أو الناحية الجنائية كمرتكبي بعض الجرائم .إلاّ أن أهم عامل يقرب أو يبعد مفهومي الشعب من بعضهما البعض هو النظام الدستوري .
فحيث يأخذ النظام الدستوري بنظام الاقتراع العام ، يقرب الشعب بمفهومة السياسي من الشعب بمفهومه الاجتماعي ، لأنه لا يشترط في مواطني الدولة إلا بعض الشروط التنظيمية ، كالتي تتعلق بالجنسية ، أو السن ،أو الأهلية .
أما عندما يأخذ النظام السياسي بنظام الاقتراع المقيد فإنه يباعد الشعب بمفهومه السياسي عن الشعب بمفهومه الاجتماعي ، لأنه يشترط بالإضافة إلى الشروط التنظيمية السابقة ، شروطا أخرى في الناخب ، كتوافر قسط محدد من المال ، أو درجة معينة من التعليم ، أو الانتماء إلى طبقة معينة من الطبقات .
-الشعب والسكان :
إذا كان الشعب بمعناه العام ، يشير إلى مجموع الأفراد الذين يستقرون على إقليم دولة معينة ، وينتمون إليها بالجنسية ، وهم الذين يطلق عليهم اصطلاح رعايا أو مواطنين . فإن لفظ السكان يتسع ليشمل كل من يقيم عل إقليم الدولة ، سواء كان من شعب هذه الدولة ( بمعناه الاجتماعي والسياسي ) أو من الأجانب الذين لا ينتسبون إلى جنسية الدولة ، والذين لا تربطهم بالدولة سوى رابطة الإقامة على إقليمها .
وهكذا يتضح اتساع مفهوم السكان عن مفهوم الشعب الاجتماعي ، واتساع مفهوم الشعب الاجتماعي عن مفهوم الشعب السياسي .
ثانياً- الشعب والأمة :
الشعب هو مجموع الأفراد الذين يكونون الدولة . أي إنه ركن من أركان الدولة باعتباره مكونا للعنصر البشري فيها . ولذا يرتبط بالدولة وجودا وعدما . فإذا مازالت الدولة لأي سبب كان كاندماجها في غيرها ، فإن شعبها يصبح جزءا من شعب الدولة الجديدة .
والأمة جماعة بشرية تجمعها روابط كوحدة الأصل واللغة والدين والتاريخ المشترك وغيرها من الروابط التي تجعل منها وحدة لها كيانها الذي يميزها ويولد لدى أفرادها الإحساس بانتمائهم إلى هذه الوحدة الاجتماعية ( 1 ).
وعلى ذلك ، فإن الفارق بين الشعب والأمة يتمثل في أن الرابطة التي تجمع بين أفراد الأمة رابطة طبيعية معنوية تستند إلى عوامل معينة هي الأصل البشري ، واللغة ، والدين ، والتاريخ المشترك … الخ ، ولكن لا يترتب عليها أي أثر قانوني ( 1 ).
أما الرابطة بين أفراد شعب الدولة فهي رابطة سياسية قانونية تفرض عليهم الولاء للدولة والخضوع لقانونها ، وتفرض على الدولة في المقابل حماية أرواحهم وأموالهم وكافة حقوقهم التي يقرها القانون . ولا يشترط في الشعب – كركن في الدولة – أن تتوافر له خصائص الأمة ومقوماتها ، إذ يوجد الشعب رغم اختلاف الأصل أو اللغة أو الدين وغيرها من العناصر التي تسهم في وجود الأمة ، فالتجانس ليس شرطا لوجود الشعب .
وهكذا لا تتطابق بين فكرة الأمة وفكرة الشعب ( 2 ). فقد يكون شعب الدولة جزء من أمة موزعة بين عدد من الدول من ناحية ، وقد يكون شعب الدولة خليطا من عدة قوميات من ناحية أخرى ، وتتمثل الحالة الأولى في الأمة العربية الموزعة بين ( 22 ) دولة ، أما الحالة الثانية فتتمثل في الاتحاد السوفيتي السابق .
إلا أن اختلاف مفهوم الشعب عن الأمة لا ينفي إمكان التطابق بينهما ، فقد يتكون شعب الدولة من أمة واحدة وهذا هو الواقع في عدد من دول العالم وخاصة دول أوربا الغربية كفرنسا وإيطاليا وألمانيا .
ثالثاً-الأمة والدولة :
الأمة عبارة عن مجموعة من الأفراد تستقر على إقليم معين بحيث تجمع بين هؤلاء الأفراد الرغبة في العيش معا نتيجة روابط وعوامل مشتركة .
أما الدولة فهي مجموعة متجانسة من الأفراد تعيش على وجه الدوام في إقليم معين ، وتخضع في تنظيم شؤونها لسلطة سياسية .
وإذا كان يتضح من تعريف الأمة والدولة اشتراكهما في عنصري الأفراد والإقليم ، فإنهما يختلفان في أمور عدة :
فالأمة هي حقيقة اجتماعية ونفسية قوامها التجانس والارتباط القومي نتيجة لخصائص ومقومات مشتركة . أما الدولة فهي حقيقة قانونية قوامها السلطة السياسية يخضع لها أفرادها .
وعلى ذلك ، تختلف الأمة عن الدولة ، والذي يميز بينهما هو السلطة السياسية ، فالسلطة السياسية شرط ضروري لوجود الدولة ، وليست كذلك بالنسبة للأمة ، ومن ثم ليس التلازم حتميا بين الأمة والدولة .
كما يظهر الاختلاف بين الأمة والدولة ، في أن الأمة قد تسبق وجود الدولة ( 1 )، وذلك إذا انقسمت الأمة الواحدة بين عدة دول ، بمعنى إنها قد توجد أمة واحدة تربط بين أفرادها وحدة روحية ، ولكن مع ذلك نجدها موزعة بين دول مختلفة .
ومثال ذلك ، الأمة العربية ، التي تكون منها الكثير من الدول ، فهي سابقة على الدول ، وكذلك الأمة الألمانية التي وزعت بين دولة ألمانيا ، ودولة النمسا ، وجزء من فرنسا هو الإلزاس واللورين ، وبالتالي فهي أمة سابقة على الدول سالفة الذكر( 2 ) .
ومن ناحية أخرى قد تسبق الدولة وجود الأمة ، وذلك إذا تكونت دولة من عناصر كانت تابعة في الأصل لأمم مختلفة .
ومثال ذلك ، الدولة السويسرية التي تكونت من مجموعة أفراد ينتمون بعضهم إلى أصل فرنسي ، والبعض إلى أصل ألماني ، والبعض الآخر إلى أصل إيطالي .
المبحث الثاني
الإقليم
أولاً-ماهية الإقليم :
لا يكفي وجود مجموعة مترابطة من الأفراد لقيام دولة معينة ، إذ لابد من وجود بقعة محددة من الأرض يستقرون عليها ويمارسون نشاطهم فوقها بشكل دائم حتى تتكون تلك الدولة ، وهذا ما يطلق عليه إقليم الدولة .
و وجود الإقليم شرط ضروري لقيام الدولة ( 1 )، فهو الذي يمثل النطاق الأرضي ، والحيز المالي ، والمجال الهوائي ، الذي تباشر عليه الدولة سيادتها ، وتفرض فوقه نظامها وتطبق عليه قوانينها ( 2 ).
ويمثل إقليم الدولة مصدر قوتها ومنعتها ، بما تنتجه أرضه من زراعة ، وما يستخرج من باطنها من ثروات معدنية ومواد أولية ، وما يؤخذ من شواطئه وبحيراته وأنهاره من ثروات بحرية ومائية .
وبذلك ، لا توجد دولة –كقاعدة عامة – بدون أن يكون لها إقليم محدد المعالم يستوطنه شعب هذه الدولة على سبيل الدوام .
ويتبع اعتبار الإقليم ركن من أركان الدولة ، أنه لا يمكن أن تتمتع بهذا الوصف القبائل الرحل التي تتنقل من مكان إلى آخر ، كما لا تعتبر في مرتبة الدول الجماعات القومية التي ليس لها إقليم خاص بها تستقر عليه وتنفرد به على وجه الدوام .
ولإقليم كل دولة حدود تفصله عن أقاليم الدول الأخرى المحيطة به ، وتعيين هذه الحدود يكتسب أهميته ، نظرا لأنها تعين النطاق الذي تمارس الدولة سيادتها داخله ، والحد الذي تنتهي عنده سلطة الدولة ، لتبدأ سلطة دولة أخرى .
وهذه الحدود قد تكون طبيعية وقد تكون غير طبيعية ( صناعية )
-الحدود الطبيعية : هي التي توجدها الطبيعة ، كسلسلة جبال أو نهر أو بحر أو بحيرة . ولاشك أن وجود فاصل طبيعي بين إقليمي دولتين له مزايا من نواحي مختلفة . ففيه أولا حسم لما ينشأ عادة من منازعات بشأن تعيين الحدود ، وفيه ثانيا تيسير لمهمة الدفاع عن الإقليم ضد أي اعتداء خارجي .
-الحدود غير الطبيعية ( الصناعية ) : فهي التي تلجأ إليها الدول إذا لم يكن هناك حد طبيعي يفصل أقاليمها المجاورة ، أو رغبة في تعديل هذا الحد , وتثبت إما بوضع اليد غير المتنازع فيه لمدة طويلة ، وإما بالنص عليها ضمن معاهدة أو اتفاق خاص . وقد تكون الحدود الصناعية مرئية إذ تبين بعلامات خارجية ظاهرة كأعمدة أو أحجار مرموقة أو أبراج صغيرة أو ما شابه ذلك .
وقد تكون الحدود الصناعية غير مرئية وتعين بخط ، كخط الطول أو خط العرض .
ثانياً-مشتملات الإقليم :
يشتمل إقليم الدولة على الإقليم الأرضي ، والإقليم المائي ، و الإقليم الجوي ( 1 ).
أ- الإقليم الأرضي :
هو مساحة معينة من الأرض . بكل ما تتضمنه من معالم طبيعية كالسهول والوديان والهضاب والجبال .كما يشمل باطن الأرض ( إلى مالا نهاية في العمق ) وما تحويه من موارد وثروات طبيعية .
وقد يكون إقليم الدولة متصلا في أجزائه ، كما هو الشأن في أغلب دول العالم ، وقد يكون منفصل الأجزاء ، كالدول التي تتكون من عدة جزر ، أو يدخل في مساحتها الإقليمية بعض الجزر مثل : بريطانيا ، و اندونيسيا ، و اليابان .
و لا يشترط في إقليم الدولة أن يبلغ مساحة معينة . فقد يكون إقليما واسعا مترامي الأطراف ، كالصين والبرازيل . وقد يكون إقليما ضيقا محدود المساحة ، كدولة الفاتيكان ، وجمهورية سان مارينو .
وإذا كانت مساحة إقليم الدولة لا تؤثر على شخصيتها القانونية ، إلا إن انكماش المساحة الأرضية لإقليم الدولة سيؤدي يقينا إلى تضاؤل أهمية هذه الدولة وضعف مكانتها بين دول العالم . وبالمقابل فأنه كلما كانت مساحة إقليم الدولة كبيرة كلما كان ذلك عونا على تزايد قوة الدولة ، وعاملا هاما على تقدمها ورقيها ، واحتلالها مكانة مرموقة بين دول العالم .
ب- الإقليم المائي :
ويشمل المسطحات المائية الواقعة في نطاق أرض الدولة ، كالأنهار والبحيرات ، بالإضافة إلى البحر الإقليمي ، وهو الجزء الساحلي الملاصق لشواطئ الدولة من البحار العامة .
وتقوم فكرة البحر الإقليمي على أساس إن سواحل الدولة تمثل حدودها البحرية ، وإن من حق كل دولة أن تتولى الدفاع عن هذه الحدود المفتوحة ، و لا يتأتى ذلك إلا بسيطرتها على مساحة معينة من المياه المتاخمة لسواحلها .
وبالنسبة لتحديد مدى البحر الإقليمي الذي يعد جزءا من إقليم الدولة ، فإنه كان مجالا للخلاف في الرأي بين دول العالم ( 1 ).
وكان الأمر قد انتهى إلى تحديد نطاق البحر الإقليمي بثلاثة أميال فقط على أساس إن هذه المسافة كانت تمثل الحد الأقصى لمدى القذائف المدفعية في ذلك الحين .
ومع ذلك فإن تحديد مدى البحر الإقليمي بثلاثة أميال لا يمثل إلا الحد الأدنى ، أما فيما يتعلق بالحد الأقصى فقد ظل محل اختلاف بين الدول ولا توجد قاعدة ثابتة حتى الآن . حيث تحدد بعض الدول بحرها الإقليمي بستة أميال كإيطاليا وأسبانيا ، ومنها ما تحدده بإثني عشر ميلا مثل مصر والعراق ، وبعضها يحدده بأكثر من ذلك ، في حين ظلت بعض الدول متمسكة بقاعدة الثلاث أميال كحد أقصى كألمانيا واليابان .
ج- الإقليم الجوي :
ويتمثل في الفضاء الذي يعلو كلا الإقليمين الأرضي والمائي للدولة ، دون التقييد –في الأصل –بارتفاع معين .
ولكل دولة سيادة على إقليمها الجوي ، وهذه السيادة لا يقيدها إلا حق المرور البريء للطائرات المدنية في إطار أحكام الاتفاقيات الدولية الثنائية ، وكذلك الاتفاقيات متعددة الأطراف ( كاتفاقية شيكاغو لعام 19444 ) ( 2 ).
على إن جانبا من الفقه ، يلاحظ إن مبدأ السيادة الكاملة والانفرادية للدولة على طبقات الهواء والقضاء التي تعلو إقليمها إلى مالا نهاية في الارتفاع ، هو مبدأ نظري بحت . خاصة وإنه مبدأ لم يعد يتوائم مع الأوضاع التي كشف عنها التقدم العلمي الحديث ولا يتفق مع ما يجري عليه العمل الآن في نطاق العلاقات الدولية . فقد توصل الإنسان إلى ارتياد الفضاء وأطلقت بعض الصواريخ والأقمار الصناعية ومركبات الفضاء ، لتخترق طبقات الهواء والفضاء التابعة لكل دول العالم ، دون الحصول على موافقتها ، ودون احتجاج منها . لذلك رأى هذا الجانب من الفقه وجوب أن يحدد الإقليم الجوي بارتفاع معين على أساس ما يثبت للدولة من قدرة على السيطرة في نطاقه ، أما ما يعلوه فيبقى حرا طليقا ، وإن عُرف التعامل بين الدول سوف يقرر مدى هذا الارتفاع .
ثالثاً-طبيعة حق الدولة على إقليمها :
تباينت الاتجاهات الفقهية الدستورية في تحديد حق الدولة على إقليمها ، وهي تتلخص فيما يلي :
1-حق ملكية :
يذهب أنصار هذه النظرية أن طبيعة حق الدولة على إقليمها هو حق ملكية ، يتمثل في تملك الدولة للإقليم ذاته بكافة عناصره ، بحيث يكون للدولة حق التصرف في تلك العناصر ، بكافة أنواع التصرفات من بيع ورهن وتنازل وهبه … الخ ( 1 ) .
ويؤخذ على هذه النظرية إن اعتبار الدولة مالكة للإقليم يؤدي إلى منع الملكية الفردية للعقارات ، ويتعارض مع وجود أموال لا مالك لها .
ويرد جانب من الفقه على هذا الانتقاد ، بأنه لا يوجد تعارض بين الملكية العامة للدولة وبين ملكية الأفراد الخاصة ، إذ أن ملكية الدولة للإقليم ، ملكية عليا ، تنشر ظلها على جميع الممتلكات الخاصة وتسمو عليها ( 2 ).
وهذا الدفاع ليس كافيا لتبرير النظرية . فحق الدولة على إقليمها وإن كان حق ملكية لكنه يختلف عن حق الملكية المعروف في القانون الداخلي ، فهو حق ذا طبيعة سياسية ، يقصد به ما للدولة من سلطة على الإقليم ، وخضوعه لولايتها وحكمها وإدارتاها وتشريعها وقضائها .
2-حق سيادة :
يرى أنصار هذه النظرية أن طبيعة حق الدولة على إقليمها هو حق سيادة ، و أن هذه السيادة تتحد بنطاق الإقليم .
ويتمثل هذا التكييف الأساس القانوني الذي يفسر سلطة الدولة في نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة ، والاستيلاء المؤقت على العقارات ، وفي تحديد حد أقصى للملكية ( 1 ).
وينتقد هذا التكييف ، بأن السيادة إنما ترد على الأشخاص وليس على الأشياء ، أي إن الدولة تمارس سيادتها على الأفراد الموجودين في الإقليم ، وليس على الإقليم ذاته .
ويرد جانب من الفقه على هذا الانتقاد ، بأنه إذا كانت سيادة الدولة على الأشخاص أمرا مسلما ، فإن هذه السيادة يمكن أن تنسحب على الإقليم وتفسر بما يتلاءم مع طبيعة الإقليم وإنه جماد ، فتأخذ معنى السيطرة والهيمنة والإشراف عليه وحمايته . ومقتضى هذه السيادة والهيمنة على الإقليم ، تملك الدولة حقوق واختصاصات تمارس في مواجهة الأفراد ، وتنصب في نفس الوقت على الإقليم ، كتقرير الملكية الخاصة ، وحمايتها ، وتحديدها ونزعها للمنفعة العامة ( 2 ).
3-حق عيني نظامي :
إزاء الانتقادات الموجهة إلى كل من نظرية الملكية ونظرية السيادة ، فقد اتجه الفقيه " بيردو " إلى تكييف حق الدولة على إقليمها بأنه حق عيني ذو طبيعة نظامية . فهو حق عيني ينصب على الأرض أي على الإقليم مباشرة ، وهو حق نظامي يتحدد مضمونه وفقا لما يقتضيه العمل على تحقيق النظام في الدولة ( 1 ).
وانتقد هذا الرأي بأنه يفتقر إلى الوضوح الكافي لتفسير طبيعة حق الدولة على إقليمها ، نظرا لصعوبة تحديد مضمون هذا الحق ذي الطبيعة الخاصة .
المبحث الثالث
السلطة السياسية ( 1 )
لا يكفي لوجود الدولة أن يتوافر شعب يستقر على إقليم معين ، إذ يتعين علاوة على ذلك توافر ركن ثالث يتمثل في وجود هيئة حاكمة تمارس السلطة السياسية بحيث يخضع الأفراد لها ( 2 ).
ولما كانت الهيئة لها حق ممارسة السلطة السياسية فيكون لها حق تنظيم أمور الجماعة وتولي شؤون الإقليم في مختلف نواحيه التنظيمية . الأمر الذي يتعين معه خضوع الأفراد لهذه الهيئة الأولى فيما تصدره من قواعد و أحكام .
ولا يشترط أن تتخذ هذه الهيئة الحاكمة شكلا سياسيا معينا ، وإنما يجب أن تبسط سلطانها على الإقليم الذي تحكمه بما لا يسمح بوجود سلطة أخرى منافسه لها .
وهنا يحق التساؤل ما إذا كان يشترط رضاء الطبقة المحكومة لقيم و وجود الهيئة الحاكمة ؟ .
يرى البعض من الفقه أنه لا يشترط رضاء وقبول الطبقة المحكومة ، فمتى كانت الهيئة الحاكمة قادرة على إخضاع الطبقة الأولى لإرادتها ولو بالقوة والقهر ، فإنها تكون صالحة لممارسة السلطة .
على إن البعض الآخر قد اشترط لقيام الهيئة الحاكمة ضرورة الرضاء وقبول الطبقة المحكومة ، إذ يستحيل بدون ذلك قيام الهيئة الحاكمة لممارسة السلطة ( 3 ).
وبالتالي فأي سلطة لا تستند إلى إرادة الجماعة التي تحكمها تكون سلطة فعلية لا تسمح – كما يرى الفقه الدستوري – بقيام الدولة بالمعنى الحديث ، ومن ثم ، فقيام وتأسيس السلطة مرتبط برضاء الأفراد ( 1 ).
إلا أن رضاء الأفراد لا يعني أن سلطة الدولة يجب أن لا تستند إلى القوة ، لأن القوة لازمة وضرورة لابد منها لممارسة سلطانها ، وبالتالي فتخلف القوة يعني فناء الدولة ، لأنه يعطي القوى المنافسة لها ، القدرة على الظهور وفرض وجودها على الإقليم .
-الاعتراف بالدولة :
إذا توافرت الأركان الثلاثة السابقة ( الشعب -والإقليم -والسلطة السياسية الحاكمة ) تنشأ الدولة ويتحقق لها الوجود القانوني . فإذا ما تم هذا الوجود يتعين أن تأخذ الدولة مكانها بين الدول الأخرى ( 2 ).
ويتحقق ذلك بالاعتراف بالدولة الجديدة ، أي التسليم من جانب الدول القائمة بوجود هذه الدولة وقبولها كعضو في الجماعة الدولية ( 3 ).
وهنا يحق التساؤل عما إذا كان الاعتراف يعد من أركان تكوين الدولة ، بحيث لا يمكن أن تنشأ هذه الأخيرة إلا إذا قامت باقي الدول بالاعتراف بها ؟ .
إن الاعتراف لفظاً يحمل في مدلوله سبق وجود الشيء المعترف به ، ولا يمكن أن ينصرف الاعتراف إلى شيء غير موجود من قبل . وإذا طرحنا جانبا منطق الألفاظ ومدلولها ، ونظرنا إلى المسألة من الناحية الموضوعية ، لما تغير الموقف ، ولوجدنا أن الاعتراف لا يجدي شيئاً ـ إذا لم تكن الدولة قد اكتملت أركانها و وجدت من قبل ، فإن لم تستكمل هذه الدولة هذه الأركان ، فلا يمكن أن يجعل منها الاعتراف شخصا دوليا ، لأنه لا يخرج عن كونه إجراء قانوني لإقرار مركز فعلي سابق وجوده عليه .
لذا أصبح من المستقر عليه في الوقت الحاضر أن الاعتراف إجراء مستقل عن نشأة الدولة . وذلك أن الدولة تقوم وتنشأ ويتحقق لها الوجود القانوني بتوافر الأركان الثلاثة السابق بيانها . أما الاعتراف فهو إقرار من الدول بالأمر الواقع ، أي بأمر وجود الدولة الذي تحقق ونشأ قبل هذا الاعتراف ( 1 ).
ولما كان الاعتراف عبارة عن إقرار لحالة واقعية سابقة عليه ، فهو لا يعتبر والحالة هذه من أركان الدولة . ومن ثم يكون للاعتراف صفة إقراريه لا صفة إنشائية . ويكون من أثره ظهور الدولة في المحيط الخارجي حيث تأخذ مكانها مع باقي الدول الأخرى .
وبناءاً على ذلك ، فإن الامتناع عن الاعتراف بدولة جديدة من جانب الدول القائمة ، لا يمنع من أن تتمتع هذه الدولة بشخصيتها القانونية الدولية وما ترتبه من حقوق . وكل ما ينتج عن هذا الامتناع هو إعاقة مباشرتها لحقوقها ، نظرا لعدم قيام علاقات سياسية بينها وبين الدول الممتنعة عن الاعتراف ( 2 ).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم