انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

النظريات التعاقدية

Share |
الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون العام     المرحلة 1
أستاذ المادة حسين جبار عبد       06/12/2018 08:21:10
محاضرة رقم ( 5 )
القانون الدستوري ( النظريات التعاقدية والاجتماعية ) ( * )
المبحث الثاني
النظريات التعاقدية
استخدمت فكرة العقد كأساس لنشأة الدولة منذ فترة زمنية بعيدة . غير إن نظرية العقد الاجتماعي لم تحتل مكانة خاصة في الفكر السياسي إلا في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر على يد عدد من المفكرين في أوربا ، كان أبرزهم : هوبز Hobbes ، لوك Lock ، روسو Rousseau .
وقد اتفقت النظريات التي قال بها هؤلاء المفكرون على إرجاع نشأة الدولة إلى فكرة العقد ، وإن الأفراد انتقلوا من الحياة البدائية التي كانوا يعيشونها إلى حياة الجماعة المنظمة بموجب العقد .
وفيما عدا ذلك ، اختلفت فيما بينها نظرا لاختلاف التصورات الخاصة بكل نظرية بشأن حالة الفطرة السابقة على العقد ، وأطراف العقد ، ومضمون العقد ، والنتائج المترتبة على عملية التعاقد . وسوف نعرض لوجهة نظر كل من هؤلاء المفكرين الثلاثة بشأن الأصل التعاقدي للدولة.
أولاً - نظرية العقد الاجتماعي عند توماس هوبز Thomas Hobbes ( 1 ):
يرى توماس هوبز (1588-1679 ) بأن أصل وجود الجماعة المنظمة إنما يرجع إلى العقد . فالعقد هو الذي نقل الفرد من حالته الفطرية إلى مجتمع منظم تسود في طبقة محكومة وأخرى حاكمة .
ولكن يجب أن نتساءل كيف تصور ( هوبز ) حالة الإنسان الفطرية الأولى ، أي حالته قبل انتقاله إلى المجتمع المنظم وقبل وجود العقد ؟ ومن هم أطراف العقد ؟ وما هو مضمون العقد الذي نقل الإنسان من مجتمع فطري إلى مجتمع منظم ؟ وأخيراً ما هي نتائج العقد ؟ .
أ-حالة الإنسان الفطرية :
تصور ( هوبز ) إن حياة الإنسان الأولى كانت تسودها الفوضى والاضطراب نتيجة الصراع الدائم الذي يجعل السيادة لقانون الغاب . وذلك لأن الإنسان أناني بطبعه تحركه الشهوة والأطماع والرغبة في السيطرة على الآخرين . وللخروج من هذه الحال – حبا في البقاء والأمن – أدرك الأفراد ضرورة الاتفاق فيما بينهم على إقامة مجتمع منظم ، فكان السبيل إلى ذلك هو العقد .
وهكذا أبرم الأفراد عقداً انتقلوا بواسطته من حالتهم الفوضوية الأولى إلى حالة المجتمع المنظم . فالعقد أساس هذا الانتقال وبالتالي هو الذي أوجد الجماعة المنظمة التي نعم فيها الأفراد بحياة مستقلة .
ب-أطراف العقد :
يعتبر ( هوبز ) أن العقد قد أبرم بين جميع الأفراد ما عدا شخصا واحدا ، هو الذي اتفق المتعاقدون أن يكون صاحب السلطة الآمرة في الجماعة .
فالحاكم لم يشترك في العقد ، وإنما قام الأفراد باختياره ، وعهدوا إليه بممارسة السلطة ( 1 ).
ج-مضمون العقد ونتائجه :
يرى ( هوبز ) أن الأفراد اتفقوا فيما بينهم على العيش معا في سلام ، تحت سيطرة واحد منهم ، يتولى الدفاع عنهم وحماية الحياة المنظمة الجديدة ، مقابل التنازل له عن جميع ما يتمتعون به من حقوق طبيعية .
فالحاكم لم يشترك في العقد ، وإنما قام الأفراد باختياره وتنازلوا له عن كل حقوقهم ، لكي يتولى إدارة شؤونهم وحماية أرواحهم وتوفير حياة الاستقرار والأمن لهم .
و العقد عند ( هوبز ) لا يكون ملزم من جانبين ، وإنما العقد ملزم من جانب واحد ، وهم الأفراد ، وذلك لأن العقد قد أبرم بين الأفراد وحدهم ، وأن كل فرد تعاقد مع غيره أبناء جنسه لصالح شخص الحاكم .
وبالتاي فإن العقد يلزم الأفراد بما يتضمنه من واجبات دون أن يلزم الحاكم بشيء .
ويرمي ( هوبز ) من وراء هذا التصوير للعقد الاجتماعي إلى الوصول إلى نتيجة محددة ، تتلخص في أن الحاكم يتمتع بسلطة مطلقة على الأفراد ، لأنه لا يلتزم إزائهم بأية تعهدات ، نظراً لعدم اشتراكه في إبرام العقد . وليس للأفراد أن يطالبوه بأية مطالب ، أو أن يشقوا عصا الطاعة عليه ، لأنهم قد تنازلوا له من قبل عن جميع حقوقهم ، فهو لا يخضع إذن لأية مسائلة أو محاسبة .
ويسعى ( هوبز ) بذلك إلى إيجاد السند الشرعي للحكم المطلق من وجهة نظره ، وتأييد الاستبداد والتعسف بالأفراد من جانب الملوك ، وأنه لا يجوز للأفراد التذمر من هذا الاستبداد ، وإلا اعتبروا مخالفين للعقد الاجتماعي ( 1 ).
وهكذا ، يكون العيش في ظل الاستبداد و الحكم المطلق ، مهما كانت درجة تعسفه ، أفضل بكثير لدى ( هوبز ) من حالة الفطرة التي كان يعيشها الأفراد قبل إبرام العقد الاجتماعي .
ثانياً - نظرية العقد الاجتماعي عند جون لوك J0hn Lock ( 2 ):
كان ( لوك ) (1632-1704 ) – على عكس ( هوبز ) –لا يؤيد السلطان المطلق و يؤكد ضرورة تقييد هذا السلطان حماية للحرية . وهو يتفق مع ( هوبز ) في إن أصل المجتمع السياسي عقد اجتماعي ، إلا أنه اختلف معه في تصوير وضع الإنسان في حالة الفطرة وفي تكييف هذا العقد من حيث أطرافه ومضمونه ونتائجه ( 3 ).
أ-حالة الإنسان الفطرية :
يذهب ( لوك ) إلى إن الإنسان خير بطبعه ، وإنه كان في حالة الفطرة ، يحيا في سلام يتمتع بحرية كاملة ، في ظل القانون الطبيعي . وعلى الرغم من إن الإنسان في حياة الفطرة كان في حالة تسودها الحرية والمساواة ، إلا أنها لا تخلو من مساوئ . فحالة الطبيعة لا تضمن للفرد أن ينعم بحقوقه فعلا لأن الالتزام الدقيق بأحكام القانون الطبيعي لا يتحقق دائما ، ولأن الجماعة لا توفر الحماية اللازمة للأشخاص والأموال من احتمالات الاعتداء عليها . لذلك يلجأ الأفراد إلى التعاقد فيما بينهم لإنشاء جماعة سياسية وإقامة سلطة تحكمهم ، يكون لها تنظيم الحقوق الطبيعية التي كان يتمتع بها الأفراد في حياة الفطرة ، وإقامة العدل عن طريق توقيع الجزاء عند الاعتداء على هذه الحقوق .
ب-أطراف العقد :
يذهب ( لوك ) إلى إن الأفراد الذين يريدون أن يدخلوا حياة الجماعة السياسية يقومون باختيار الحاكم ويبرمون معه عقدا .
فالعقد يتم بين طرفين : الأفراد من جانب و الحاكم من جانب آخر ( 1 ).
ج-مضمون العقد ونتائجه :
يرى ( لوك ) أن الأفراد تعاقدوا مع الشخص الذي اختاروه ليتولى مهمة الحكم في الجماعة ، وتم التنازل له بمقتضى هذا العقد عن جزء من حقوقهم في سبيل قيامه بأعباء الحكم وحماية حقوق الجميع ، وتأسيس سلطة سياسية مركزية ، تكتمل بقيامها نشأة الدولة ( 2 ).
فالاتفاق ، إذن ، نم بين الأفراد من جانب و الحاكم من جانب آخر .
وهذا العقد يقوم على الرضا المتبادل . وهو عقد ملزم من جانبين ، حيث يلتزم بموجبه كل من الحاكم والمحكوم تجاه الآخر بالتزامات متبادلة .
فالحاكم ، يلتزم بمقتضى العقد ، بتنظيم حياة الجماعة ، والمحافظة على الحقوق التي لم يتنازل عنها الأفراد ، وإقامة العدل بينهم .
ويلتزم أفراد الشعب بواجب الطاعة تجاه الحاكم ، طالما أنه يعمل في الحدود المقررة للعقد .
وإذا أخل الحاكم بالتزاماته المقررة في العقد بأن عمل على تحقيق الحكم المطلق له ، أو بالإخلال بحقوق الأفراد وحرياتهم ، كان للأفراد ، الحق في مقاومته ، وعزله من منصبه ،لإخلاله بشروط العقد الاجتماعي .
وعندئذ ، تعود السلطة إلى أصحابها أي (الأفراد ) ليعهدوا بها إلى من يرونه أقدر على صيانة حقوقهم وحرياتهم .
أما إذا أخل بعض الأفراد بالتزاماتهم ، فيحق للحاكم ، مسائلتهم ومجازاتهم ، تحقيقا للصالح العام .
وهكذا توصل ( لوك ) إلى نتيجة مفادها ، معارضة السلطان المطلق ، فالحاكم يجب ألا يتمتع بسلطة مطلقة ، بل بسلطة مقيدة بوجوب مراعاة الصالح العام ، والتقييد بالعمل وفقاً لمقتضياته دون النظر إلى صالحه الخاص ، كما تتقيد سلطة الحاكم ، بوجوب احترام حقوق الأفراد وحرياتهم ، فهي الغرض الذي من أجله أبرم العقد المنشئ للدولة والمؤسس للسلطة العامة .
ثالثاً - نظرية العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو Jean Jacques Rousseau ( 1 ):
يتفق ( روسو ) (1713-1778 ) مع كل من ( هوبز ) و ( لوك ) بأن انتقال الأفراد من حياة الفطرة إلى حياة الجماعة المنظمة قد تم بمقتضى عقد اجتماعي .
و نتساءل كيف تصور ( روسو ) حالة الإنسان الفطرية الأولى قبل وجود العقد ؟ ، ومن هم أطراف العقد ؟ ، وما هو مضمون العقد ؟ ، وما هي النتائج المترتبة على عملية التعاقد ؟ .
أ-حالة الإنسان الفطرية :
يرى ( روسو ) إن الإنسان كان في حالته الفطرية الأولى متمتعا بالحرية والمساواة ، ولكن حياة الفطرة عند ( روسو ) ليست كما اعتقد البعض أسعد حالة للحياة البشرية . فالمساواة الطبيعية ما لبث أن أخل بها ظهور الملكية الخاصة ومخترعات الإنسان من الآلات الميكانيكية ، وأدى التفاوت الكبير في الثروات إلى قيام الخلافات والتنافس والحروب ، وتحولت سعادة الإنسان إلى شقاء . لذا عمل الأفراد على التعاقد فيما بينهم لإنهاء الخلافات ومنع الاضطرابات في علاقاتهم ، والانتقال إلى حياة أفضل ، حياة مجتمع منظم يسود فيه العدل والفضيلة ، ويحافظ على حقوق وحريات جميع الأفراد ( 1 ).
ب-أطراف العقد :
تصور ( روسو ) أن طرفي العقد هما : الأفراد على أساس أن الطرف الأول : يمثل مجموع الأفراد أي هذا الشخص الجماعي المستقل الذي يتكون من مجموع الأفراد .
أما الطرف الثاني : فإنه يشمل كل فرد من أفراد الجماعة . ولهذا فإن الحاكم ليس طرفاً في العقد ، وإنما هو وكيل عن الإرادة العامة ، يحكم وفقاً لإرادتها ، وليس وفقا لإرادته الخاصة ( 2 ).
ج-مضمون العقد ونتائجه :
يرى ( روسو ) إن الأفراد يتعاقدون مع أنفسهم ، فلكل منهم صفتان ، صفة الفرد الحر المنعزل ، وصفته كعضو في الجماعة متحد مع غيره .
ويتضمن العقد ، التنازل الكامل ، من كل فرد ، عن جميع حقوقه ، لصالح الجماعـة ( 3 ). ويلزم أن يكون التنازل بدون تحفظ ، حتى يتم الاتحاد في أكمل صورة .
ويضاف إلى ذلك ، إن كل فرد يتنازل عن كافة حقوقه لا لشخص معين بالذات ، أو لأشخاص معينين بذاتهم ، وإنما التنازل لصالح المجتمع بأكمله . حيث سيضع كل فرد شخصه ، وكل قوته تحت الإدارة السامية للإرادة العامة .
على إن تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية التي كانوا يتمتعون بها ، لا يفقدهم تلك الحقوق ، بل يقابله حصولهم على حقوق مدنية تقررها لهم ، وتنظمها ، وتحميها ، الجماعة السياسية التي أقاموها .
ويترتب على ذلك ، أن تسود المساواة في المجتمع ، إذ يتمتع كل فرد بحقوق متساوية ، ويقف كل منهم على قدم المساواة مع الآخر ، ويسود العدل كذلك ، مادام أن الجماعة السياسية تعمل على صيانة ما تقرر للأفراد من حقوق .
وهكذا تسود المساواة والحرية والعدالة في المجتمع المنظم الجديد ، ويصبح الفرد أحسن حالاً من حالته البدائية التي تسبق إبرام العقد .
ونجد إن ( روسو ) قد جعل السلطة للجماعة السياسية التي تنشأ عن العقد ، والتي تعبر عن نفسها في إرادة واحدة ، هي الإرادة العامة ، متمثلة في إرادة الأغلبية ، وهذه الإرادة العامة هي القانون الواجب الإتباع .
ولما كانت السلطة مردها الإرادة العامة باعتبارها كائنا معنويا ، لذلك وجب قيام شخص آدمي بمباشرة هذه السلطة باسم الإرادة العامة .
ولذلك فإن الحاكم ليس أكثر من ممارس لهذه السلطة ، فهو وكيل عن الإرادة العامة ويتوجب عليه أن يلتزم بما تمليه عليه الإرادة العامة .
والوكالة عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل (الحاكم ) بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل(الإرادة العامة أي إرادة مجموع الأفراد ) .
وبالتالي فالسلطة التي تمنح للحاكم بموجب الوكالة التعاقدية ، لا تكون مطلقة ، وإنما مقيدة بما يكفل تمتع الأفراد بحقوقهم .
وطالما إن شروط العقد ( الوكالة ) قد فرضت على الحاكم عدد من الالتزامات فهو مقيد ، وملتزم بتنفيذ الشروط .أما في الحالة التي يتحلل فيها الحاكم من الشروط الواردة في العقد . ويوجد مظاهر السلطة لخدمة أغراضه الشخصية ، لا لخدمة الأغراض العامة ، كان للأفراد الحق في مقاومة الحاكم وعزله عن منصبه .
لذا يعتبر ( روسو ) من أنصار الحكم المقيد الذي بمقتضاه ،يجب أن يراعى الحاكم ، الصالح العام ، ويتقيد بالعمل لخدمته ، بغض النظر عن مصالحه الخاصة .
-تقدير فكرة العقد الاجتماعي :
لقد كان للنظريات العقدية دورا مهما في تطور الفكر السياسي ، ولكنها مع ذلك تعرضت لعدة انتقادات أهمها :
1-تعتبر نظريات العقد الاجتماعي نظريات خيالية لا سند لها من الواقع . حيث إن التاريخ لم يعطنا مثالا واحدا واقعيا بان جماعة من الجماعات قد نشأت بواسطة العقد .
2-فكرة العقد ذاتها كأساس لنشأة الجماعة المنظمة هي فكرة غير سليمة من الناحية القانونية ، فالعقد في نظر أصحاب النظريات سالفة الذكر هو الذي أقام السلطة العامة في الجماعة المنظمة . فهو أساس وجود هذه السلطة وبدونه لا تنشأ و لا تتحقق . وهذا القول يخالف الناحية القانونية السليمة . ذلك إن فكرة القوة الإلزامية للعقد لا توجد إلا بوجود الجماعة وقيام سلطة فيها تحمي العقود وتطبق الجزاءات اللازمة لضمان احترامها .
وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون العقد الذي يحتاج إلى حماية السلطة العامة هو ذاته الذي أنشأ هذه السلطة وأقامها .
3-تفترض بعض النظريات العقدية سالفة الذكر إن الإنسان كان يعيش في حالة عزلة قبل أن تنشأ الجماعة . وهو قول غير صحيح لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يطيق حياة العزلة . فلا يتصور إذن أنه قد عاش في وقت من الأوقات في حالة عزلة عن غيره ، بل إنه على خلاف ذلك قد عاش دائما ونشأ في جماعة من الجماعات .
المبحث الثالث
النظريات الاجتماعية
يصف بعض الفقهاء هذه النظريات بالصفة العلمية على أساس إنها تخضع للتحقيق العلمي ، وتستند إلى عوامل اجتماعية وتاريخية ، وتتمثل هذه النظريات في ثلاث : نظرية القوة ، ونظرية التطور الأسري ، ونظرية التطور التاريخي .
أولاً- نظرية القوة :
ترد هذه النظرية أصل الدولة إلى القوة والغلبة ، فالدولة إنما تنشأ عندما يفرض القوي سلطته على باقي الأفراد الذين يمتثلون لقوته ( 1 ).
ويتجلى مضمون النظرية في أن الجماعات الإنسانية الأولية كانت تعيش في حالة صراع مستمر مع بعضها . وقد نتج عن هذا الصراع انتصار جماعة منهم على غيرها من الجماعات أي أصبح هناك غالب يفرض إرادته على المغلوب ، ويمد سلطانه على إقليم معين ، فوجدت الدولة ( 2 ).
ولقد كان الفقه التقليدي يذهب إلى إن قوة المنتصر في هذا الصراع تمثلت في القوة المادية وحدها ، كالانتصار في الحروب . على إن القوة قد أخذت في نظر الفقه الحديث مدلولا أوسع مدى . حيث يعتقد الفقه الحديث إن القوة ليست مجرد القوة المادية ، وإنما تتسع لتشمل كل ما يتميز به الحاكم من قوة النفوذ الأدبي ، وقوة اقتصادية ، وحنكة سياسية ( 1 ).
ولعل كثيرا من وقائع التأريخ تؤيد صحة النظرية ، خاصة التاريخ القديم . فقد كانت الحياة البشرية الأولى تقوم على الإغارة والحروب ، ونتيجة لانتصار الأقوى كانت تتوحد جماعات وتقوم المدن السياسية أو الدول ، فكانت الغلبة لعنصر القوة على عنصر الرضا والاتفاق في نشأة الدولة . بل أن التاريخ الحديث يشهد على أهمية عنصر القوة ، فكثير من الدول نشأت نتيجة لاستخدام القوة والالتجاء إلى الحروب .
وقد انتقدت النظرية –كتفسير لأصل نشأة الدولة – من عدة جهات :
1-إن كانت نظرية القوة قد اتفقت مع الواقع في حالات كثيرة ، وفسرت نشأة الدولة فيها ، إلا أنها لا تصلح لتفسير نشأة الدولة في جميع الأحوال . فثمة دول لم تنشأ عن طريق القوة ، إذ إن العديد من الدول الحديثة في آسيا وأفريقيا قد نشأت نتيجة لاستقلال المستعمرات ، وليس بناءاً على عنصر القوة ( 2 ).
2-لا يكفي عنصر القوة وحده لإيجاد الدولة ، فالضرورات الاقتصادية ، والقيم الاجتماعية ، والعقائد والمستويات الحضارية ، كلها عوامل لا تنكر في نشوء الدولة . والواقع أنه يندر أن تكون القوة وحدها هي المنشئة للدولة في العصر الحديث ، ويتعذر أن تنشأ القوة وحدها دولا عظيمة وبصورة مستقرة ودائمة .

ثانياً- نظرية التطور الأسري :
ترجع هذه النظرية أساس الدولة إلى الأسرة ، وأساس سلطة الحاكم في الدول إلى سلطة رب الأسرة .
ويتلخص مضمون هذه النظرية في إن أصل الدولة يعود إلى الأسرة ، وإن الأسرة هي الصورة المصغرة للدولة . نمت الأسرة وأصبحت عائلة ، وباجتماع بضعة عائلات تكونت العشيرة ، ثم اتسعت العشيرة إلى عشائر عدة ، أدى اجتماعها إلى تكوين القبيلة ، التي اتسعت إلى قبائل عدة ، وحينما استقرت هذه القبائل على بقعة من الأرض تكونت القرية ، ثم نمت هذه القرية إلى قرى عديدة ، ومن اجتماع هذه القرى بعضها ببعض تكونت المدن السياسية والتي تطورت بعد ذلك وأخذت شكل الدولة بمفهومها الحديث ( 1 ) .
ولئن كانت الأسرة هي الخلية الأولى للدولة ، فإن سلطة الحاكم في الدولة إنما يرجع أساسها الأول على فكرة السلطة الأبوية وما كان لرب الأسرة من سلطة على أفرادها ( 2 ).
بيد إن النظرية لاقت عدة انتقادات :
1-إذا كان أنصار هذه النظرية يؤكدون إن الأسرة هي الخلية الأولى للدولة ، إلا أن علماء الاجتماع يرون خلاف ذلك ، ويؤكدون إن الأسرة لم تكن هي الخلية الاجتماعية الأولى( 3 ) . وذلك لأن غريزة الاجتماع والتكاتف ضد مخاطر الطبيعة هي التي جمعت الأفراد في بداية التاريخ البشري ، ولم تظهر الأسرة أو السلطة الأبوية إلا في مرحلة لاحقة ، بعد أن اختص الرجل بزوجة له .
2-إن التاريخ لا يؤيد النظرية على إطلاقها . فثمة دول خرجت في نشأتها عن القاعدة التي قررتها النظرية للتطور . كالدولة المصرية القديمة ، وكثير من الدول الحديثة لم تنشأ وفقاً للتطور السالف بيانه ومن أمثلة ذلك في العصر الحديث ، الولايات المتحدة الأمريكية ( 1 ).
3-إن إرجاع أساس السلطة العامة في الدولة إلى سلطة رب الأسرة وتشبيه السلطة الأولى بالثانية ، هو في حقيقة الأمر محل نظر . ذلك إن سلطة رب الأسرة لها صفة شخصية مرتبطة بشخص رب الأسرة ذاته تزول بزواله أو باستقلال أفراد الأسرة عنه . أما السلطة السياسية في الدولة فإنها سلطة مجردة غير شخصية ، أو غير مرتبطة بشخص الحاكم ، لا تنتهي بالتالي بزوال شخص هذا الحاكم ، فهي دائمة ومنفصلة عن شخص من يمارسها .
4- ويتخوف البعض ( 2 ) ، من أن تشبيه السلطة السياسية في الدولة بالسلطة الأبوية في الأسرة ، قد يكون مبررا للظلم والاستغلال . فقد يستغل الحاكم ذلك ، ويدعي أنه رب الأسرة ، حتى يتهرب من محاسبة شعبه ، كما يحاسب سائر الحكام في الدول الديمقراطية من قبل شعوبهم أو من قبل المؤسسات الدستورية المخصصة لذلك .


ثالثاً- نظرية التطور التاريخي :
تختلف نظرية التطور التاريخي عن النظريات السابقة في أنها لا ترجع أصل نشأة الدولة إلى عامل محدد بذاته ، وإنما إلى عوامل متنوعة ( 1 ) ، من القوة المادية والاقتصادية إلى العوامل الدينية والمعنوية والعقائدية .
وتتباين أهمية هذه العوامل من دولة إلى أخرى ، فقد تتزايد أهمية بعضها بالنسبة لدولة معينة وتقل بالنسبة لدولة أخرى .
وأساس هذه النظرية ، إن الدولة ظاهرة طبيعية نتجت من تفاعل عوامل مختلفة عبر فترات طويلة من التطور التاريخي الذي أدى إلى تجمع الأفراد للتعايش معا . وتطورت الأحوال بعد ذلك بظهور فئة حاكمة لهذه الجماعة فرضت سيطرتها عليها ، وقبضت على ناصية الأمور فيها ، مما أدى في النهاية إلى نشأة الدولة .
ونظرا لاختلاف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعقائدية والظروف التاريخية التي أدت إلى ظهور الدولة من بلد لآخر ، فقد كان من الطبيعي أن يحدث اختلاف في الدول كنتيجة لاختلاف العوامل التي ساهمت في قيام كل منها ، وتبعا لذلك ، اختلف النظام السياسي وشكل الحكومة في كل دولة من الدول ( 2 ).
ويترتب على ذلك في النهاية ، أنه يتعذر تكييف نشأة الدولة تكييفا قانونيا، وبالتالي يصعب وضع نظرية عامة محددة لبيان أصل نشأة الدولة بصفة عامة ( 3 ).
و تعتبر هذه النظرية ، أكثر النظريات أنصارا ، حيث لاقت النظرية قبولا واسعا ، وتأييدا كبيرا من جانب في الفقه المصري ، وكذلك الفقه الفرنسي خاصة ( بارتلمي Barthelemy ) و ( بوردو Burdeau ) . كما إن ( دكي dougui ) صاغ نظريته عن الدولة بشكل يلتقي مع انتهت إليه هذه النظرية( 1 ) .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم