تعطيل الدستور
يعني تعطيل الدستور : إيقاف تطبيق القواعد الواردة في الوثيقة الدستورية ، بصورة كلية أو جزئية .
وميز الفقه الدستوري بين نوعين من أنواع تعطيل الدستور : الاول وهو تعطيل الدستور الرسمي، والثاني هو تعطيل الدستور الفعلي
اولا- تعطيل الدستور الرسمي :
يقصد بتعطيل الدستور الرسمي : وقف العمل بجميع أحكام الدستور او جزء منها ، بعد أن يتم الاعلان عن ذلك بشكل رسمي وفق الاجراءات والشكليات المقررة في متن الوثيقة الدستورية للدولة .
ويتحقق التعطيل الرسمي للدستور ، عندما يلجأ الحكام الى مثل هذا الاجراء ، بغية معالجة مشكلة سياسية او اقتصادية او اجتماعية كحالة الحرب او العصيان المسلح ، او وجود خطر داهم يهدد الدولة ويعرقل سير عمل مؤسساتها الدستورية . وهذا الاجراء ليس من شأنه الغاء الدستور ، او الغاء بعض نصوصه بل يؤدي الى منح احدى هيئات سلطة الدولة وغالبا ماتكون الهيئة التنفيذية متمثلة برئيس الدولة سلطات استثنائية ،من اجل معالجة تلك الظروف والازمات، ويكون ذلك على حساب اختصاصات هيئات الدولة الاخرى .
ومن امثلة تعطيل الدستور الرسمي ، هو مانصت عليه ( المادة 16 ) من الدستور الفرنسي لعام 1958 والتي منحت رئيس الجمهورية الفرنسية سلطات استثنائية في حالة الضرورة .
وكذلك ( المادة 74 ) من الدستور المصري لعام 1971 والتي منحت هي الاخرى رئيس الجمهورية الفرنسية سلطات استثنائية ،
وكذلك ( المادة 108) من الدستور البحريني لعام 1973 التي اجازت لرئيس الدولة ان يعطل أي نص من نصوص الدستور في حالة اعلان الاحكام العرفية .
وكذلك ( المادة 99 ) من مشروع الدستور العراقي لعام 1990 التي اجازت لرئيس الدولة ان يعطل عددا من نصوص الدستور في حالة الظروف الاستثنائية .
ورغم ان هذه الدساتير تهدف الى تركيز السلطات الى حد ما في ايدي رئيس الدولة الى ان تنتهي الازمة الخطيرة التي تتعرض لها الدولة فان الفقه يجمع على انه لايجوز لرئيس الدولة ان يباشر اجراءات من شانها الغاء او تعديل الدستور أو بعض احكامه ، وبالتالي لا يجوز له سوى وقف العمل ببعض أحكام الدستور .
ويستند الفقه في تبرير موافقته على حق رئيس الدولة في ايقاف العمل ببعض احكام الدستور الى ان النصوص الدستورية تفترض مشروعية كل اجراء ضروري يتخذه رئيس الدولة للقضاء على الازمة التي تتعرض لها الدولة حتى ولو اقتضى الامر هذا الاجراء المساس بالدستور .
على ان وقف الدستور او بعض احكامه يجب أن يتحقق من تلقاء ذاته بمجرد اللجوء الى تلك السلطات الاستثنائية ، وانما ينبغي أن يصدر قرار صريح بوقف بعض احكام الدستور المحددة على سبيل الحصر .
ثانيا- تعطيل الدستور الفعلي :
يعني تعطيل الدستور الفعلي وقف العمل ببعض احكام الدستور دون ان يعلن عنه بشكل رسمي ، بل يمكن ملاحظة ذلك من خلال دراسة الواقع السياسي للدولة ومقارنته بالواقع الدستوري فاذا كان هنالك اختلاف بين الواقع الدستوري و الواقع السياسي بشأن موضوع معين فهذا يعني أن هنالك تعطيل فعلي لنصوص الدستور التي تعالج ذلك الموضوع .
ومن امثل تعطيل الدستور الفعلي ، القانون الاساسي العراقي لعام 1925 ، حيث نص في ( المادة 2 ) منه على إن : " شكل الحكومة نيابي " ، ولكن استقراء الواقع السياسي العراقي انذاك يتبين لنا ان النظام السياسي المطبق في ظل ذلك الدستور لم يكن نظاما برلمانيا حقيقيا ، فعلى سبيل المثال نجد أن وسيلة الحل وسحب الثقة وهي من الدعائم الأساسية للنظام البرلماني ، كانت مطبقة في العراق من جانب واحد .
فالوزارات العراقية قد بالغت في حل مجالس النواب ، وبالمقابل لم بحل أي مجلس نواب عراقي طيلة ثلث قرن ، أن يسحب الثقة من أية حكومة عراقية .
وفي ظل النظام البرلماني يكون تعيين الوزراء او رئيسهم مرتبط براي الاغلبية البرلمانية اما الحالة التي كانت في العراق ( البرلماني ) هي ان تعيين الوزراء و رئيسهم مرتبطا بموافقة الملك ، وقرارات مجلس الوزراء لا تكون نافذة مالم يصادق عليها الملك وفق ( المادة 65 ) من القانون الاساسي العراقي .
ونستنتج من ذلك ، ان هنالك اختلاف كبير بين النصوص المثبتة في القانون الاساسي العراقي والنظام السياسي المطبق فعلا ، ومن ثم يكون القول ان النصوص الدستورية التي جسدت النظام البرلماني كانت معطلة فعليا او واقعيا .
وكذلك ينسحب القول على اول دستور عراقي يصدر في العهد الجمهوري وهو دستور 27 تموز 1958 المؤقت كان معطلا فعليا وخصوصا في فترة انفراد رئيس الوزراء في السلطة ولم يعلن عن تعطيل هذا الدستور ولكن الواقع السياسي للعراق انذاك يشير على ان الدستور كان معطلا فعليا او الجزء الاكبر منه على الاقل .
ونفس النتيجة تنسحب على دستور العراق لعام 1970 عندما انفرد رئيس الجمهورية بالسلطة وعندما منحه الدستور في ان يصدر مراسيم لها قوة القانون .